قبل أن تنتشر الحنفيات، وتشقّ المضخات الحديثة طريقها إلى الآبار، كان للماء فرسانه، وللآبار رجالها، وللسقي أدواته التي صاغتها أيادي الأجداد من مواد بيئتهم البسيطة، فكان الدلو رفيقًا لا يكاد يغيب عن تفاصيل الحياة اليومية، ووسيلة أساسية لاستخراج الماء وإرواء العطش وسقي النخيل.
واليوم، بعدما أخذت وسائل السقي الحديثة مكان الأدوات التقليدية، باتت الدلاء جزءًا من ذاكرة الماضي، وشاهدًا على مرحلة من تاريخ المجتمع الموريتاني، عاش فيها الناس على بساطة الوسائل، وقوة العزائم، والصبر على مشاق الحياة.

وفي هذه الحلقة من زاوية «عين على التراث»، تعود بكم وكالة الساطع الإخباري إلى ذلك الزمن، لتسلّط الضوء على الدلاء التقليدية، وتكشف عن أنواعها ومكوّناتها، وتستحضر بعضًا من الحكايات التي تختزنها هذه الأداة التراثية العريقة.
الدلو.. حين كانت قطرة الماء ثمرة جهد
الدلو آلة تقليدية تُستخدم لاستخراج المياه من الآبار والعيون، وقد اعتمد عليها الموريتانيون زمنًا طويلًا في تأمين حاجاتهم اليومية من الماء، سواء للشرب أو لسقي المواشي والمزروعات، وفي مقدمتها النخيل.
ولم تكن صناعة الدلو أمرًا اعتباطيًا، بل كانت تقوم على معرفة بمواد البيئة وخصائصها، إذ يُصنع من جلد الحيوان، وتُستخدم في تركيبه أجزاء خشبية، ويُربط برشاء طويل يُمكّن من إنزاله إلى قاع البئر ثم رفعه محمّلًا بالماء.
ومن أبرز مكوّناته: الجلدة، والتاكنزه، والرشاء، وهي أجزاء تتكامل وظائفها لتجعل من هذه الأداة البسيطة وسيلة فعّالة لمواجهة واحدة من أصعب تحديات الحياة في البيئة الموريتانية: الحصول على الماء.

ولأن الماء كان عصب الحياة، فقد اكتسب الدلو مكانة تتجاوز وظيفته العملية، فحضر في الذاكرة الشعبية، وارتبط بأعمال الرجال والنساء، وبمشاهد السقي، وبحياة القرى والبوادي، حتى غدا رمزًا لزمن كان فيه الوصول إلى الماء يتطلب جهدًا وصبرًا ومهارة.
الدلو في مرآة الشعر العربي
لم تغب صورة الدلو عن الشعر العربي، فقد استُحضرت في سياقات الفخر والكرم والعطاء، ومن ذلك قول حسان بن ثابت رضي الله عنه:
لساني صارم لا عيب فيه
وبحري لا تكدره الدلاء
كما وردت صورة الرشاء والاستقاء في أبيات تُنسب إلى ابن الرومي، يقول فيها:
وإذا امرؤ مدح امرأً لنواله
وأطال فيه فقد أطال هجاءه
لو لم يقدر فيه بعد المستقى
عند الورود لما أطال رشاءه
وهكذا، لم يكن الدلو مجرد أداة من أدوات الحياة اليومية، بل كان حاضرًا في لغة الشعراء وصورهم، يستمد دلالته من الماء، ومن العطاء، ومن الجهد المبذول في سبيل الوصول إلى الغاية.
الدلاء في الذاكرة الموريتانية
وفي الموروث الأدبي المحلي، بقيت الدلاء حاضرة في التعبير عن أحوال الأرض والبلد، كما نلمس ذلك في البيتين اللذين يقول فيهما الأديب يسلم ولد بيّان:
صابك يالبلده عت لي
ذي التامورت هي وأكفاك
عاد أمغيرني كصر أدلي
حسيانك يالبلده وأدفاك
وتكشف هذه الإشارة الشعرية عن حضور أدوات السقي في الوجدان المحلي، وعن الصلة الوثيقة التي جمعت الإنسان الموريتاني بأرضه وآباره وموارده المائية.
من جلد الحيوان والألياف النباتية.. صناعة تحكي عبقرية الأجداد

كانت الدلاء التقليدية تُصنع من جلد الحيوان، وتُدعّم بأجزاء خشبية، وتُربط بحبال طويلة تُعرف بالرشاء، كان بعضها يُصنع من الألياف النباتية المعروفة محليًا باسم «إيصكوطن».
وبهذه الأدوات المتواضعة، استخرج الأجداد الماء من أعماق الآبار، وسقوا الأنفس الظمأى، وأطعموا البطون الجائعة، وزرعوا النخيل، وأسهموا في استمرار الحياة في بيئة لا تمنح ماءها بسهولة.
لقد كانت الدلاء عنوانًا لمرحلة كاملة من تاريخ المجتمع، مرحلة لم تكن فيها الوسائل متطورة، لكن الإنسان امتلك من الصبر والخبرة وحسن استغلال الموارد ما مكّنه من التغلّب على كثير من الصعاب.
وإذا كانت التقنيات الحديثة قد جعلت استخراج المياه أيسر وأسرع، فإن ذلك لا يقلّل من قيمة الدلاء في تاريخنا؛ فهي شاهد على كفاح الأجداد، ودليل على قدرتهم على تطويع مواد البيئة لخدمة الإنسان، وجزء من تراث يستحق التوثيق والحفظ.
رحم الله أجدادنا الذين كابدوا مشاق الحياة، وعملوا على إعمار الأرض وتوفير أسباب العيش لأسرهم ومجتمعاتهم، وجزاهم عن الأجيال اللاحقة خير الجزاء.
ثلاثة أنواع من الدلاء.. اختلاف في الشكل والوظيفة
تنوّعت الدلاء التقليدية في موريتانيا، واختلفت أحجامها وأشكالها وطرق استعمالها، ومن أبرز الأنواع المعروفة:
أولًا: الدلو العادي
وهو النوع التقليدي المعروف، الذي يُستخدم لاستخراج الماء من الآبار، ويتكوّن من جلد الحيوان وأجزائه المساعدة، ويُربط برشاء يُستعمل في إنزاله ورفعه، كما تُظهر الصورة المرفقة.
ثانيًا: الكَرْفَة
وهي من أكبر أنواع الدلاء حجمًا، وتتميّز بطول رشائها، الأمر الذي يجعل سحبها أكثر مشقة من سحب الدلو العادي، ولذلك يُستعان في رفعها بظهر الدواب، وفقًا للطريقة التقليدية المعروفة في استخدامها. وتبرز الصورة الثانية حجمها وطبيعة تصميمها.
ثالثًا: الكايَه
وهي نوع يختلف عن الدلو العادي والكَرْفَة في تصميمه، إذ لا يتوفر على يد مصنوعة من عود طويل تُستخدم في سحبه، كما يظهر في الصورة الأخيرة.
التراث ذاكرة أمة
إن الحديث عن الدلاء ليس استعادةً لأداة اندثرت أو تراجعت فحسب، بل هو استحضار لصفحة من حياة مجتمع عرف كيف يتعامل مع بيئته، ويستثمر مواردها، ويحوّل أبسط المواد المتاحة إلى وسائل تحفظ الحياة وتضمن استمرارها.
فوراء كل دلو حكاية بئر، ووراء كل رشاء جهدٌ امتدت آثاره إلى الأسرة والمزرعة والقرية، ووراء كل أداة تقليدية تجربة إنسانية تستحق أن تُروى للأجيال الجديدة.
ومن هنا تأتي أهمية زاوية «عين على التراث» التي تفتح نافذة على تفاصيل الحياة الموريتانية القديمة، وتعيد الاعتبار لأدواتها ومفرداتها وعاداتها، إيمانًا بأن حفظ التراث ليس بكاءً على الماضي، وإنما هو صون للذاكرة، وتوثيق للهوية، وربط للأجيال بجذورها التاريخية والثقافية.
لخانة وكالة الساطع الإخباري "عينٌ على التراث"