(وكالة الساطع الاخباري ) عرفت ولاية لعصابة، وغيرها من مناطق البلاد، عددًا من العباد والصلحاء الذين ذاع صيتهم، وانتشرت أخبارهم، وكثر تلامذتهم ومريدوهم، وتناقل الناس الحكايات عن صلاحهم وكراماتهم. ومن بين هؤلاء يبرز اسم المصطف ولد حمادي، الذي ارتبطت سيرته بروايات كثيرة ظل الناس يتداولونها، مستحضرين ما عُرف عنه من زهد وعبادة، وما نُسب إليه من كرامات.
وفي هذه المساحة من الذاكرة الشعبية، نستحضر بعض الروايات التي تناقلها الناس عن هذا الرجل، ونرويها كما وصلت إلينا، وفاءً لذاكرة المكان ورجاله، وحفظًا لما تختزنه الذاكرة المحلية من أخبار وحكايات.
_ القربة المشقوقة.. أولى الكرامات:
يروي أحد تلامذة المصطف ولد حمادي، وهو ممن يوثق بهم، أن أولى الكرامات التي ظهرت له كانت في أيام شبابه، حين لامته والدته على زهده وانشغاله بالعبادة، ورأت أنه لا بد له من أن يتولى جلب الماء لأخواته، اللواتي لم يكنّ قادرات على حمله من مسافات بعيدة، بحكم كونهن نساء.
وفي محاولة منها لإقناعه بصعوبة المهمة، وضعت والدته أمامه قربة ماء مشقوقة، وقالت له، مستنكرةً ما حدث: انظر كيف مزّق الحمار قربتنا، بعدما حاولت أخواتك جلب الماء لنا على ظهره!
وتضيف الرواية أن المصطف أخذ القربة بين يديه، وأخذ يحكّها براحتيه، فما هي إلا لحظات حتى عادت إلى حال أحسن مما كانت عليه، وكأن شيئًا لم يصبها.
وكان لهذا المشهد أثره في نفس والدته، التي رأت فيه أمرًا خارقًا للمألوف، فكفّت عن لومه، وتركته وشأنه، بعد أن استبان لها من أمره ما لم تكن تتوقعه.
_ في أدرار.. رواية الإمام والقافلة البعيدة:
وتواصل الرواية أن المصطف سافر ذات مرة إلى ولاية آدرار، وحين وصل إليها دخل أحد المساجد عند الأذان الأول، فأدى ما شاء الله له من النوافل، ثم استلقى على وجهه.
وكان إمام المسجد، بحسب الرواية، قد همّ بالخروج إلى الصلاة، فأيقظ زوجته لتقوم بما اعتادت عليه من العبادة، ثم توجه إلى المسجد.
وعندما وصل، وجد المصطف ولد حمادي مستلقيًا، فحرّكه بقدمه طالبًا منه أن يقوم للتنفل، غير أن المصطف أجابه بهدوء، بلهجة أهل المنطقة:
«أنتَ لمره ما سلكت منك، والراجل ما أسلك منك».
فلما أقيمت الصلاة، دخل المصطف فيها خلف الإمام، لكنه قطع صلاته بعد أن أحرم، وانفرد بنفسه، الأمر الذي أثار استغراب بعض المصلين، فسألوه عن سبب تصرفه.
فأجابهم، وفق الرواية، بأن الإمام كان مشغولًا بأمر جمل جُرح في مؤخرته، وأن هذا الجرح هو ما أخّر وصول القافلة التي كان الجمل ضمنها.
تعجب الحاضرون من كلامه، وسألوه عن الدليل على ما يقول، فأشار إلى فرس مربوطة في المكان، وقال إنها ستصدّقه، وستأتي بخبر الجمل والقافلة.
وكانت الفرس، كما تذكر الرواية، مملوكة لأحد أمراء المنطقة، ومقيّدة بقيود حديدية، ومحاطة بعناية كبيرة. لذلك استبعد الحاضرون أن تتمكن من الإفلات من قيودها، فضلًا عن أن تنطلق إلى قافلة تبعد مئات الكيلومترات، ثم تعود بخبرها.
لكن الرواية تذكر أن الفرس قطعت قيودها فجأة، وقفزت من حظيرتها، وانطلقت في اتجاه القافلة.
وحين أبصرها رجال القافلة، سارعوا إلى الإمساك بها، وأخذتهم الشكوك في أن يكون مكروه قد أصاب أهلهم. فامتطى أحد فرسانهم ظهرها، وعاد مسرعًا نحو الحِلّة.
ولما وصل، وجد أهله بخير، فسألهم عن خبر الجمل، فأخبروه بأنه مصاب بجرح في مؤخرته، وأن إصابته كانت سببًا في تأخر القافلة عن موعدها.
وهكذا، وفق ما تتناقله الرواية، ذاع خبر المصطف بين الحاضرين، وتعاظم استغرابهم مما سمعوا وشاهدوا، وأحسنوا ضيافته وأكرموه.
وتؤكد الروايات المتداولة أن هذه الحكاية لم تكن سوى واحدة من أخبار كثيرة نُسبت إليه، وتناقلها الناس في مجالسهم عبر السنين.
_ النمل الذي أعاد الإبل:
ومن الروايات الأخرى التي تُحكى عن المصطف ولد حمادي أن مجموعة من قطاع الطرق استولت يومًا على إبل لبعض جيرانه، فاستنجدوا به، وطلبوا منه المساعدة في استرجاعها.
وتقول الحكاية إنه خرج مسرعًا على قدميه، وتبعه عدد من الرجال، حتى اعترض طريقهم وادٍ تنتشر فيه أسراب من النمل الكبير.
عندها خاطب المصطف النمل قائلًا، بحسب الرواية:
«أرجو من الله أن تتولى عنا، أيها النمل، مهمة رد الإبل».
ثم طلب ممن كانوا معه أن يعودوا إلى خيامهم، بينما واصل هو طريقه.
وتضيف الحكاية أن أسراب النمل اندفعت في إثر الإبل، حتى خُيّل لمن يراها أنها خيل كثيرة، يمتطيها فرسان مدججون بالسلاح.
ولما رأى قطاع الطرق ذلك المشهد، اعتقدوا أنهم أمام قوة كبيرة جاءت لاسترداد الإبل، فاستولى عليهم الخوف، وتركوا ما بأيديهم، وفروا من المكان.
وهكذا، وفق الرواية الشعبية، عادت الإبل إلى أصحابها، بعد أن كانوا قد فقدوا الأمل في استرجاعها.
_شعر في التوسل والرجاء:
ولم تقتصر الأخبار المتداولة عن المصطف ولد حمادي على الحكايات المرتبطة بكراماته، بل نُسبت إليه أيضًا قصائد في التوسل والتضرع إلى الله، تكشف أبياتها عن روح التعلق بالخالق، والرجاء في رحمته، والالتجاء إليه عند الشدائد.
ومن المقطوعات الشعرية التي وصلتنا عنه هذه الأبيات:
أنختُ بباب الكريم، ومنْ
أناخ بباب الكريم أمِنْ
بعون الإله أستعين، ومنْ
بعون الإله استعان أمِنْ
بنيل المراد ونيل الأمنْ
في كل مكان وكل زمنْ
من داء القلوب وداء البدنْ
ومن كل خوف يضيق الوجنْ
حشاه، حشاه، فلا يحرمنْ
منادٍ دعاه غريب الوطنْ
وتحمل هذه الأبيات معاني الاستجارة بالله، والتماس العون منه، والرجاء في بلوغ المراد والنجاة من الخوف والمرض، وهي معانٍ ظلت حاضرة في كثير من أشعار التوسل والابتهال في التراث الشعبي.
_رحيل الجسد وبقاء الذكر:
عاش المصطف ولد حمادي، بحسب ما ترويه الذاكرة المحلية، معززًا مكرمًا بين أهله وذويه، وظل اسمه حاضرًا في المجالس التي تتناقل أخبار الصلحاء في ولاية لعصابة وخارجها.
وبعد أن انقضت رحلته في هذه الحياة، انتقل إلى رحمة الله، ودُفن في مقبرة خيرني، الواقعة على بعد نحو أربعين كيلومترًا من مقاطعة بومديد.
وهكذا بقيت سيرته جزءًا من الذاكرة الشعبية للمنطقة، تتناقلها الأجيال، وتستعيد من خلالها ملامح زمن كان فيه للزهد والعبادة وأخبار الصالحين حضور بارز في حياة الناس ومجالسهم.
وكالة الساطع الإخباري – زاوية «رجال في الموقع»
في زاوية الساطع : «رجال في الموقع» نقدم لكم المصطفى ولد حمادي.. سيد ذاع صيته وتناقل الناس كراماته