البرق والعارض في الشعر.. حين توقظ السماء حنين الأوطان


حظي البرق والعارض بنصيب وافر من الشعر العربي والحساني، لما يرتبط بهما من نزول المطر، وحركة الانتجاع، وارتحال الناس بحثًا عن الكلأ والماء، فضلًا عن تقلبات المناخ وما تثيره مشاهد السماء من مشاعر الشوق والحنين إلى الأهل والأوطان.
ولم يكن البرق عند الشعراء مجرد ومضة تضيء ظلام الليل، بل كان في كثير من الأحيان رسولًا يحمل أخبار الديار البعيدة، ويوقظ في النفوس ذكريات الأحبة، ويستحضر مشاهد الرحيل والفراق.
البرق والعارض في الشعر العربي
وقد وصف امرؤ القيس السحابة الممطرة في أحد أبياته، فقال:
على قَطَنٍ بالشَّيْمِ أيْمَنُ صَوْبِهِ ... وأيْسَرُهُ على السّتارِ فَيَذْبُلِ
كما نجد شاعرًا آخر يتأمل البرق ويتتبع لمعانه في الأفق، فيقول:
تبصَّرْ، هل ترى أَلْواحَ برقٍ
أوائلُه على الأفعاةِ قُعودُ؟
أرقتُ له وشايعني رجالٌ
وقد كثر المخايلُ والسدودُ
وتكشف هذه الأبيات عن اهتمام الشعراء بمراقبة البرق وتتبع حركته، لما قد يحمله من بشائر المطر، وما يثيره من آمال في نفوس الباحثين عن الماء والمرعى.
برق الوطن.. وجع الغربة وحنين السجين
وللبرق حضور أكثر عمقًا في الشعر حين يقترن بالاغتراب والبعد عن الأهل. ومن الشواهد المؤثرة في هذا الباب أبياتٌ تُنسب إلى أحد سجناء بني نمير، كان في الأسر حين لمح البرق ليلًا ناحية أهله ودياره، فأنشد:
ألا يا سَنا برقٍ على قُلَلِ الحِمى
لَهَنَّكَ من برقٍ عليَّ كريمُ
لمعتَ اقتداءَ الطيرِ والقومُ هُجَّعٌ
فهيَّجتَ أحزانًا وأنتَ سليمُ
فبتُّ بحدِّ المرفقين أشيمُهُ
كأني لبرقٍ بالستارِ حميمُ
رمى قلبَه البرقُ الملألئُ رميةً
بذكرِ الحِمى وهنًا فصار يهيمُ
في هذه الأبيات، يتحول البرق إلى نافذة يطل منها السجين على عالمه البعيد، ويستعيد عبر ضوئه ذكريات الديار والأحبة. وبينما تنام العيون، يظل قلب الأسير يقظًا، يتتبع الومضات التي تلوح في السماء، وكأنها تحمل إليه شيئًا من أخبار وطنه.
وتتناقل بعض الروايات أن الشاعر مات من شدة الشوق إلى أهله، وهي رواية تعبّر، بصرف النظر عن مدى ثبوتها، عن عمق المعاناة التي قد يصنعها الفراق في النفوس.
البرق في الشعر الحساني.. ذاكرة الأرض والإنسان
ولم يغب البرق عن الشعر الحساني الموريتاني، بل احتل مكانة خاصة في الذاكرة الشعرية المحلية، لارتباطه بالمطر والمراعي ومواسم الانتجاع، فضلًا عن صلته بالديار والأحبة.
ومن ذلك ما يُروى عن الأمير الكفيف ولد هنون ولد  ببوسيف، في مخاطبته البرق قائلًا:
يبرگ شيرت ألابشور
ذاك أم نتشيار أرخي بيه
خالك يلبگ ذاك الشور
وان زاد ألا عالم بيه
وتعكس هذه الأبيات جانبًا من خصوصية الشعر الحساني في استحضار البرق ومخاطبته، وربط مشاهد الطبيعة بما يختلج في النفس من مشاعر وذكريات.
رسالة إلى أبناء الوطن في بلاد الغربة
وانطلاقًا من هذا الموروث الشعري الغني، تقدم وكالة الساطع الإخبارية لقرائها الكرام، ولا سيما المقيمين خارج الوطن، هذه الصورة وهذا الموضوع، لعل مشهد البرق وما يختزنه من دلالات المطر والديار يوقظ في نفوسهم ذكريات الوطن، ويجدد شوقهم إلى الأهل والأحبة.
فكم من ومضة برق أعادت إلى غريب صورة أرضه، وكم من سحابة عابرة أيقظت في قلب مهاجر حنينًا إلى مرابع الصبا ومجالس الأهل!
إنها الطبيعة حين تتحول إلى لغة يفهمها الشعراء، ورسالة صامتة يقرؤها المغتربون بقلوبهم، فتدعوهم إلى صلة الأرحام، وتجديد العهد بالأهل، وزيارة الأوطان كلما سنحت الفرصة.
فالبرق في عيون الشعراء ليس ضوءًا عابرًا في السماء فحسب، بل قد يكون وطنًا يلوح من بعيد، وذكرى تعود، وحنينًا لا ينطفئ.