النفّارة.. أنغام من التراث الموريتاني في زاوية الساطع «عين على التراث»


(الساطع الاخباري ) تُعدّ «النفّارة»، أو الناي، إحدى الآلات الموسيقية التقليدية التي عرفها الموريتانيون منذ زمن بعيد، وأصبحت جزءًا من ذاكرتهم الثقافية والتراثية. ورغم أننا لا نعرف على وجه الدقة تاريخ ظهورها في هذه البلاد، فإنها تظل وعاءً غنيًّا بالتراث الموسيقي الموريتاني، ووسيلةً لحفظ الألحان والأشوار التي تناقلتها الأجيال.
1_ النفارة آلة بسيطة وأنغام عريقة: 
تتكوّن النفّارة من أنبوب مجوّف يبلغ طوله نحو 65 سنتيمترًا، وهو مسدود من الطرفين، وتوجد به خمس فتحات دائرية صغيرة موزعة على امتداده، يستخدمها العازف للتحكم في النغمات وإخراج الألحان المختلفة.
ويُطلق على عازف هذه الآلة اسم «خبّاط النفّارة»، وغالبًا ما يرافقه «جبّاب»؛ أي راقص، إلى جانب الطبل، لتتشكّل من هؤلاء فرقة تُعرف محليًّا باسم «اجبابه»، التي تجمع بين الموسيقى والرقص والإيقاع في مشهد فني يعكس جانبًا من أصالة التراث الموريتاني.
2 _ النفّارة في المناسبات الاجتماعية: 
تحضر النفّارة في عدد من المناسبات والأفراح التقليدية، إذ تُعزف يوم العيد، وعند امتلاء السدود بالمياه، وفي مواسم الحصاد، وحفلات الزواج، ومناسبات إكرام الوفود واستقبال الضيوف.
وقد ارتبطت هذه الآلة بأجواء الفرح والاحتفاء، فكانت أنغامها جزءًا من الحياة الاجتماعية، ترافق الناس في مواسمهم ومناسباتهم، وتمنح تلك اللحظات طابعًا تراثيًّا مميزًا.
3_ مقامات وأشوار من الذاكرة الشعبية:
تؤدَّى ألحان النفّارة في مقامين من مقامات «أزوان»، هما: «اكحال فاقو» و«ابياظ سنييم»، كما تتنوع أشوارها، ومن أشهرها المتداولة في الذاكرة الشعبية:
_ قباز اعويده كالتو النار
_ وبطون إفلان
_ البطحه ﻻسالت اندير مكه
_ ولل وادن جاه ألم
_ اسويكم واسويديكم
_ حريثت لودي يدنك تنكجاي

_ الله الدومو


وتمثل هذه الأشوار جزءًا من الرصيد الموسيقي الشعبي المرتبط بالنفّارة، بما تحمله من تعبيرات وألحان تعكس خصوصية البيئة الثقافية الموريتانية.
منافسة العازفين.. والطبل شاهدًا على الفوز
ومن المشاهد اللافتة المرتبطة بعزف النفّارة، أن يجتمع عازفان في حفل واحد، فيدخلان أحيانًا في منافسة فنية يتبارى كل منهما خلالها في إبراز مهارته وقدرته على العزف.
ويكون الفوز، وفق العرف المتداول في هذه المنافسات، لمن تلتصق به «شدّادة الطبل»، وهي علامة تُعدّ إعلانًا عن انتصاره على منافسه.
وهكذا لا يقتصر عزف النفّارة على أداء الألحان فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى أجواء من التنافس والتفاعل الجماهيري، التي تضفي على المناسبة مزيدًا من الحيوية والإثارة.
4 _ النفّارة والفقهاء.. خصوصية تستحق التوثيق: 
ومن الملاحظات التي يوردها المهتمون بهذا التراث أن النفّارة تتمتع بمكانة خاصة بين الآلات الموسيقية التقليدية؛ إذ يُقال إنها من الآلات التي سكت عنها الفقهاء، ما لم يصاحب عزفها اختلاط.
وتبقى هذه الملاحظة جزءًا من التصورات الشعبية المتداولة حول الآلة وممارساتها، وهي مسألة تستحق التوثيق والبحث في سياق دراسة العلاقة بين الموسيقى التقليدية والحياة الاجتماعية والدينية في موريتانيا.


إن النفّارة ليست مجرد أنبوب يُصدر الألحان، بل هي ذاكرة صوتية تختزن جانبًا من حياة الموريتانيين وأفراحهم وعاداتهم، وتحمل بين أنغامها حكايات أجيال مضت، ما يجعل الحفاظ عليها وعلى أشوارها وأساليب عزفها مسؤولية ثقافية تستحق الاهتمام.