الصراحة راحة.. وجرأة الجنون لا بأس بها أحياناً..لكن الوزارة وزر...

الصراحة راحة.. وجرأة الجنون لا بأس بها أحياناً..لكن الوزارة وزر...

غداة إطلاق سراح الوزير السابق إسلمو ولد عبد القادر، بعد اعتقاله على خلفية تصريحات أدلى بها حول تكوينة الحرس الرئاسي في سياق انقلاب 8 أغسطس 2008، قمت بزيارته في منزله، فالتقيت هناك بالعميد محمد سعيد ولد همدي، رحمه الله.
سأله العميد، ممازحاً، عما إذا كان في موريتانيا من هو أكثر منه جنوناً، فأجابه عفوياً: نعم، أذكر منهم محمد سعيد ولد همدي!
وعطفاً على الحديث نفسه، قال إسلمو، يقصدني شخصياً، إن لديّ ربما حصة من جنونهما، لكنني «أغطي عليها باستطليب» — أي انتمائي الاجتماعي إلى فئة الطلبة — ممزوج بشيء من الدبلوماسية.
وقد كنت، بحكم الزمالة في الحكومة، شاهداً على جانب من هذه الجرأة لدى إسلمو؛ فقد كانت مداخلاته في مجلس الوزراء صريحة وملحوظة، لا يتردد فيها في التعبير عما يراه. ولعل إشارته إلى أن لي نصيباً من «جنونهما» لم تكن بعيدة عن تلك التجربة المشتركة؛ فقد كانت مداخلاتنا في اجتماعات المجلس، كلٌّ بطريقته، مما لا يمر دائماً من غير أن يُلحظ.
والحقيقة أن في «جنونهما» شيئاً يعجبني؛ فالجرأة على التعبير في النقاش العمومي قد تكون عوناً على اكتشاف الحقيقة، والحقيقة من أسمى ما يسعى إليه الإنسان. ولعل ما أسميه أحياناً، بشيء من الدعابة، «شدّة عضّ السن» ليس بعيداً عن تلك الجرأة.
ومع ذلك، فقد انتهيت مع الزمن، وبعد نصيب لا بأس به من الجدل والمشاكسة والمقارعة، إلى نهج أهدأ، قاعدته: أن تسعى دائماً إلى معرفة الحقيقة، وأن تقولها أحياناً.
وفي العبارة، كما يقال، ما يحسن وما يخشن.
أما قولي في العنوان إن «الوزارة وِزر»، فلأنني أعتقد أن من تقلّد مسؤولية وزارية لا يغادرها تماماً كما دخلها؛ فقد يصبح وزيراً سابقاً، لكنه يظل محمولاً بشيء من أثر المسؤولية التي تقلدها. وهذا لا ينتقص من حقه في الكلام أو النقد، وإنما يحمّله، في تقديري، قدراً أكبر من التحفظ، أو على الأقل يلزمه بأسلوب يليق بما سبق أن تحمّله من مسؤولية الدولة. فالصفة تزول، لكن بعض أعبائها الأدبية لا يزول بالضرورة معها.
ولعل ذلك أيضاً من أسباب تفضيلي التعبير بالكتابة؛ فالكتابة تمنح صاحبها فرصة لمراجعة نفسه قبل أن يراجع الآخرين. وقد عدت إلى بعض ما كتبت أيام السجال، فراجعت بعضه واعتذرت عن بعضه الآخر، ولا أرى في ذلك حرجاً؛ لأن الحقيقة في السجال العمومي كثيراً ما تختلط بزاوية النظر وهوى النفس وظرف اللحظة.
ولعل أصعب ما في التعليق على الأحداث و الاشخاص مراعاة الموضوعية؛ فهوى النفس غلاب . وأحياناً لا نقترب من الحقيقة بقراءة السطور وحدها، وإنما بما بينها أيضاً: دوافع الكتابة، ونبرة الكاتب و معرفته للشخص ، ومدى قدرته على الاحتفاظ بمسافة من الاحداث ومن الشخص  نفسه.
أما الصراحة فتبقى راحة، وجرأة الجنون لا بأس بها أحياناً؛ فلعل شيئاً من الحقيقة لا يظهر إلا حين نملك الجرأة الكافية لعضّ السن... ولو بشدة!..
والله ولي التوفيق.

عبد.القادر ولد محمد