*قضاء الفوائت وأقوال العلماء وأدلتهم*:
كتب أستاذنا العلامة د محفوظ ولد محمد الأمين :
إذا نظرنا إلى مسألة قضاء الفوائت نظرًا أصوليًا وجدنا أن الخلاف فيها ليس مجرد خلاف فقهي في فرع جزئي، بل هو مبني على أصل أصولي كبير، وهو:
هل الأمر بالعبادة المؤقتة يبقى في الذمة بعد خروج وقتها أم يسقط بفوات الوقت؟
ومن هنا تفرعت أقوال العلماء.
محل النزاع :
اتفق العلماء على أن من فاتته الصلاة بنوم أو نسيان فإنه يقضيها.
واتفقوا على أن الصلاة المؤداة في وقتها هي الأصل الذي أمر الله به.
وإنما وقع الخلاف فيمن تركها عمدًا حتى خرج وقتها.
مذهب الجمهور: وجوب القضاء
وهو مذهب الأئمة الأربعة في الجملة.
أصلهم الأصولي
يرى الجمهور أن:
الواجب إذا استقر في الذمة لم تبرأ الذمة منه إلا بأدائه أو بإسقاط الشارع له.
والشارع لم يسقط الصلاة عمن تركها عمدًا.
ولهذا قرر الفقهاء قاعدة:
"شغل الذمة المتيقن لا يزول إلا بيقين."
فالذمة قد شغلت بالصلاة يقينًا، ولا يوجد دليل يدل على سقوطها بعد خروج الوقت.
استدلالهم بالكتاب
1- عموم الأمر بالصلاة
قال تعالى:
﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ جاءت مرات
وقال:
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾
قالوا: هذه الأوامر اقتضت طلب الصلاة، ومن لم يصل فقد بقي الطلب متعلقًا بذمته. ولاسيما أنه لم يأت دليل بالنهي عن القضاء
2- القياس على الديون
استدلوا بقوله ﷺ:
«فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى». وهذا في حق من وجب عليه الفرض : صوما كان او حجا ولم يؤده حتى مات فهل يقضيه عنه وليه وعليه فقضاؤه عن نفسه أولى
وإذا كانت حقوق الآدميين لا تسقط بالتأخير، فحقوق الله أولى.
قال القرافي المالكي: الذمة إذا اشتغلت بحق لله لم تبرأ إلا بأدائه أو بإبراء الشارع.
استدلالهم بالسنة
حديث النائم والناسي
قال ﷺ:
«من نسي صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها».
قال الجمهور:
إذا وجب القضاء على المعذور، فالمفرط أولى.
وهذا يسمى عند الأصوليين:
التنبيه بالأدنى على الأعلى أو مفهوم الأولى.
فإذا أوجب الشرع القضاء على من لا إثم عليه، فإيجابه على الآثم أولى.
حديث الخندق :
ثبت أن النبي ﷺ قضى الصلوات التي فاتته يوم الخندق بعد خروج وقتها.
فقالوا:
هذا دليل على أن الوقت ليس شرطًا في أصل صحة الصلاة عند العجز أو الفوات، بل تبقى الصلاة مطلوبة بعد الوقت.
الاستدلال بالأصول والقواعد :
القاعدة الأولى :
"الأمر يقتضي الامتثال."
ومن لم يمتثل بقي مطالبًا بالفعل.
القاعدة الثانية :
"الأصل بقاء ما كان على ما كان."
فالأصل بقاء شغل الذمة بالصلاة حتى يثبت ما يزيله.
القاعدة الثالثة :
"الخروج من العهدة لا يحصل مع الشك."
فإذا شككنا: هل سقطت الصلاة بخروج الوقت أم لا؟
رجعنا إلى الأصل وهو بقاء الوجوب.
وهذه القواعد لها أدلتها المعروفة
مذهب الظاهرية ومن وافقهم
داود وابن حزم، واختاره جماعة من العلماء
أصلهم الأصولي :
يرون أن:
العبادة المؤقتة تنتهي بانتهاء وقتها، ولا تشرع بعد الوقت إلا بدليل جديد.
فكما أن دخول الوقت شرط للوجوب، فبقاء الوقت شرط للأداء.
أدلتهم :
1- قوله تعالى
﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾
قالوا:
الله جعل للصلاة وقتًا محددًا.
فمن تعمد إخراجها عن وقتها لم يأت بالمأمور به.
2- حديث النائم والناسي
قالوا:
النبي ﷺ خص النائم والناسي بالقضاء.
ولو كان المتعمد يقضي أيضًا لبيّنه.
وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
3- قاعدة التوقيف
قالوا:
العبادات مبناها على التوقيف.
ولا يجوز إيجاب صلاة بعد وقتها إلا بدليل خاص.
مناقشة الخلاف أصوليًا :
الحقيقة أن مدار الخلاف على سؤال واحد:
هل القضاء يحتاج إلى أمر جديد أم يكفي الأمر الأول؟
الجمهور يقولون:
الأمر الأول كافٍ.
لأن الواجب استقر في الذمة ولم يؤد.
المخالفون
ويقولون: القضاء عبادة مستقلة.
فلا بد لها من دليل مستقل.
ولهذا يقول الأصوليون:
"هل الأمر بالأداء أمر بالقضاء أم لا؟"
وهي من أشهر مسائل أصول الفقه.
موقف المالكية : المالكية شأننم الجمهور فهم
من أكثر المذاهب تقريرًا لبقاء الواجب في الذمة.
ولذلك أوجبوا قضاء الفوائت كلها.
قال القرافي في الفروق بمعناه:
إن الذمم لا تبرأ بمجرد العصيان، وإلا لكان كل عاصٍ يسقط عنه الواجب بتركه.
وهذا من أقوى ما يحتج به المالكية.
إذ لو قيل إن المتعمد تسقط عنه الصلاة بخروج الوقت للزم أن يكون المفرط أخف حالًا من المعذور؛ لأن المعذور مطالب بالقضاء، أما المفرط فلا يطالب به، وهذا قلب لمقصود الشرع.
تحرير محل الترجيح
من جهة الأصول العامة وقواعد الذمة والاستصحاب فحجة الجمهور قوية جدًا؛ لأن شغل الذمة بالصلاة متيقن، وسقوطها يحتاج إلى دليل.
ومن جهة النظر في النصوص الخاصة فحجة المخالفين قوية أيضًا؛ إذ لم يرد نص صريح يأمر المتعمد بالقضاء كما ورد في النائم والناسي.
ولهذا بقي الخلاف قويًا بين الفريقين.
غير أن الذي استقر عليه عمل الأمة عبر القرون، وعليه المذاهب الأربعة، هو وجوب قضاء الفوائت، وهو الأبرأ للذمة والأحوط في حق المكلف، خاصة عند المالكية الذين يوجبون قضاء الفائتة عمدًا أو سهوًا أو نومًا، ولا يعرف في المذهب خلاف معتبر في أصل الوجوب.
والله تعالى اعلم
الدكتور محفوظ ولد محمد الأمين