تداعي بغرلي
بغرلي هو ثمر شجر (إيگنين)، و شجر(إيگنين) هو (التَّنضُبُ) بالفصحى، ومنه
(أگننت) أي (بئر التنضب) التي تحالف على جرعائها (تشمشة)، وعقدوا أول اجتماع لهم، وكوّنوا حلفهم ووضعو مبادئه وكان لهم اجتماع سنوي بذات المكان عند جرعاء " تنضب " يجددون فيه التواصي بالحق والتعاون على البر يقول العلامة المؤرخ المختار ولد حامد:
و قد كنا (تشمشَه) ذوي حلومٍ :: رواسخَ تَستخف لها الهضابا
و كان لنا مقامٌ كلَ حول :: نقولُ به فنفعله صوابا
تقوم به مشايخنا فندعوا :: إلى الإحسان و العدل الشبابا
بـ (جرعا بئر تنضبَ) ليت عيشاً :: بـ (جرعا بئرِ تنضبَ) طابَ آبَا
وينتشر شجر (إيگنين) في كل مناطق المنتبذ القصي، و(بغْرِلِّي) هو ثمر شجر (إيگنين)، ويقول المثل الحساني السائر: (بُغرلِّي يَقتِلُ).
ويروى أن رجلا تضلع ذات مسغبة من (بغرلّي) لكنه لم يحمد عاقبة أمر ذلك التضلع، فقد جاء ذلك الرجل جاء إلى (أيگنينايَ) لابسةً من بغرلي الأحمر فصار يأكل ويقول: شوفو عنكم (إنْبِگْ) ممتن عبرو امْنَبّتْ راصو فأيگنين!!..
وكان ماكان، وبعد فترة من الحادثة وذات أنس مع أصدقاء له، رأى غرابا على شجرة من إيگنين وقد أطال المُكث على الشجرة يأكل من (بغرلّي)، فلم يتمالك أن قال لأصحابه: دَوُّوا الغراب لا إيموتْ !!
وقال شيخ مشايخنا العلامة يحظيه (اباه) إن مضارع (قَتَلَ) لم يرد بكسر التاء إلا في قول البظان: (بُغرلِّي يَقتِلُ)، و إن التنوينَ والإضافة لم يجتمعا إلا في قول البظان: (عَلِيٍ آزوازيلْ) وهو أحد الرعاة المشهورين .
وعلى ذكر الرعاة -والشيء بالشيء يذكر- التقى الشاعر الكبير العلامة امحمد ولد الطلبة اليعقوبي، الراعي عبد الودود ولد الدّخنَه ذات شوق بين (آشليشِل) و(لَبّه) في (سهل آگشار) وهو السهل الرملي المرتفع الممتد من شوم شمالا حتى شد علال جنوبا.
سأل الشاعر ولد الطلبه، الراعي ولد الدّخنه، عن حي كان يعهده في تلك الربوع فأخبره أنهم رحلوا، فهاج الشوق في قلب الشاعر الكبير وتقاطر الشعر سلسلا..
والتقى العلامة الشاعر مولود ولد أحمد الجواد اليعقوبي وهو إذاك شيخ كبير، العلامة الشاعر امحمد ولد الطلبة اليعقوبي، فقال مولود لامحمد: ما آخر ما قال أهل تيرس من الشعر؟
فأنشده امحمد ولد الطلبه قصيدته التى كانت وليدة حواره مع الراعي ولد الدخنَه:
أقولُ لِراعي الذودِ بَينَ شُلَيشِلٍ :: ولَبَّةَ والعَينانِ تنهمِلانِ
أيا راعيَ الذودِ الهجائِنِ قِف مَعي :: سقاكَ حَبِيٌّ ذو أجَشّ يمانِي
ولا زِلتَ في عرجٍ تُنَتِّجُ بُكرَهُ :: وجِلَّتَهُ ذي ثروَةٍ عكنانِ
أُسائِلكَ عن حَيِّ الشقيقَةِ إنَّني :: وإيّاكَ يا راعي لمُسَّئلانِ
فجعل مولود يكرر كلمة مسئلان وكأنه يستثقلها..
فلما وصل ولد الطلبة إلى قوله:
فَقالَ انتحوا للمَوجِ واحتَثَّ ظَعنَهُم :: غُدَيَّةَ حادٍ ليسَ بالمُتواني
وما شَعُرَ الراعي لما قد تضَمَّنَت :: ضُلوعِيَ من بَثّي وطولِ ضماني
أهيمُ بمَن ما إن يُبالي تَهَيُّمي :: ولَم يدرِ ما بثّي وما هيماني
ومَن إن نآني لم تطِب ليَ لَذَّةٌ :: وينفُرُ من قُربي بحَيثُ يراني
فكَلَّفتُ هَمّي إثرَهُم ذا عُلالَةٍ :: تخَوَّفتهُ بالنصِّ والذملانِ
به ظَلَعانٌ مُستَبانٌ ومن يَجِدْ :: كوجدِيَّ لا يلوي على الظلعانِ
فقال مولود من شدة استحسانه للبيت الأخير: نعم مسئلان واللهِ مسئلان..
وعلى ذكر مولود فقد توفي العلامة الشاعر المأمون ولد محمذن الصوفي ولد عبد الله المجاور اليعقوبي، سنة (1238 هـ - 1822 م)، ودفن بريع تنّمْدايَ (أُُتَـيْـدْ تـنّـمْدايَ) وهو أكيمة بالجانب الشرقي من آكشار، بها حسي تحفر بعد السيل ثم تغور.
وبعد وفاة المامون، التقى العلامة الشيخ محمد المامي، والعلامة الشاعر امحمد بن الطلبة، فسأل الشيخ محمد المامي امحمد بن الطلبة:
أنت ارثيتْ المأمون؟
قال امحمد: ما ارثيتو، وانت ارثيتو؟
قال الشيخ محمد المامي: ما ارثيتو يغير أعطينَ نرثوه.
قال الشيخ محمد المامي:
ريعٌ تقاصرَ دونه لبنانُ :: ويهونُ دون ترابه المرجان
يا ريعُ لو نبتَ الحديثُ ببلدة :: نبت الحديثُ عليك والقرآن
جادت عليك من السلام تحية :: ينهل منها الروح والريحان
فقال امحمد بن الطلبة:
أقامَ بجَونٍ مستهلِ النضائدِ :: على ريع (تنّمْدايَ) جَشُّ الرواعدِ
وقُلْ لشَروداتِ المحامد تسترح :: فقد ماتَ بالمامون قنصُ الشوارد
وكان المامون من مشاهير علماء المنتبذ القصي، وكان متبحرا في علوم القرآن والحديث ومن كبار علماء العربية وأئمتها، ومن أبرز تلامذة العلامة لمجيدري ولد حبّ الله اليعقوبي.
كان المامون يحفظ الكتب الستة مثلما يحفظ القرآن، وله مؤلفات في مختلف فنون العلم، وكان شاعرا فحلا مطبوعا كأنما يغرف من بحر، سلس العبارة جزلها قوي السبك ثري المعجم، لغوي محقق، واشتهر بجودة الشعر وروايته، وإحكام صنعته ودرايته.
وكان يهاجي العلامة الشيخ المختار بن بونَ، وكان يؤلمه أكثر من غيره من شعراء قومه بني يعقوب في مساجلاتهم معه، وروي أن المختار قال:
(ما ضيّعني ماهُ بوافريراتْ) يعني المأمون، ويكفي المأمون أنه كان شيخ العلامة الشاعر محمد ولد الطلبة اليعقوبي في العربية وذاك كافي.
كامل الود
سيد محمد