سلسلة الذيل والتكميل: الأمير العادل اعلي ولد محمد محمود

سلسلة الذيل والتكميل:  الأمير العادل اعلي ولد محمد محمود

هو اعلي محمود المعروف باعلي ولد محمد محمود ولد أحمد محمود ولد المختار ولد لمحيميد ولد المختار ولد إبراهيم ولد بكو ولد بوهماد المشظوفي، شيخ الحوظ، 
أمه منت سيدامحمد المسومية.
جده الأمير العظيم أحمد محمود مؤسس إمارتهم في الحوظ، وقد أجمع الفضلاء على أن أحمد محمود كان عبقريا فريدا، جاء في فواكه كل حين أن الشيخ ماء العينين كان يقول: " ولو وجد ابن لمحيميد بعض العلماء له همة لكتب وقائعه ودخوله لبلاد الحوض وأرخّها لكن أهل تلك البلاد لا همة لهم وكان هو أي ابن لمحيميد من متقدمي الملوك ولو كان من المتأخرين، له همة وشجاعة وعزم لا يجارى في الجميع ولا يبارى." 
وفي رسالة الجمعة لمولاي جعفر بن المهدي النعماوي: (وإذا تقرر هذا علمنا انعقاد الولاية لولد المحيميد وانعقادها له بالأحرى لأنه غير خارج بهذا التغلب على إمام متقدم عليه في بلاد الحوض بل تغلب على بلاد سائبة خالية منذ أعصار متطاولة عن الإمارة وأهلها... وقد بلغني انه معتنٍ بالعلم سؤول عنه مفاوض لأهله لا يخلو من عالم بين يديه يستفتيه ويسترشده وذلك كاف... وأمَّا العدالة فلا نعلم اليوم في الحوض مطاعا ذا قوة مثله فيها فقد مهَّد السبيل وردَّ المظالم وكفَّ القوي عن الضعيف وأقام حد القتل مرة فيما بلغني من أنَّه أقامه على قتلة الوداني) 
وفي رسالة لشيخنا الشيخ المحفوظ بن بيه في ذكر نسب مشظوف: (وقد بلغوا الغاية القصوى في أيام أحمد محمود بن لمحيميد حتى خضع لهم سكان ما بين أفله وتنبكتو. ووجد الناس في ظلهم العافية وأثنوا عليهم حتى أن الولي الصالح العالم القلقمي محمد الأمين بن أحمد الجيِّد قال: ما حمل السلاح بعد الصحابة أعدل من مشظوف.) 
وليَ اعلي رئاسة مشظوف بعد مقتل أخيه محمد المختار سنة 1909، وكان موصوفا بالعقل وحب العافية والميل عن الجور، شارك في صغره مع إخوته أحمدْ ومحمد المختار في حروبهم لاسترجاع ملك أبيهم محمد محمود، المعروفة بديقة المحاصر.  
ثم قاد فرسان قومه وألّب أهل الحوض على حرب المستعمر في النيملان، فجاء في حوليات ولاته أنه قدم هو ورفيقه أحمد سالم ولد الكيمي على ولاته يجبيان المساعدة للمقاومين، وممن صحبه في هذا المسير العلامة يبَّ ولد الشيخ محمد الأمين ولد أحمد اجيّد القلقمي وكان هو إمام المجاهدين، وحضرها حمه ولد نفرو مع ابن الحامد فكان هو فنان المجاهدين. 
وقد نزل وفد الحوظ على الشيخ الغزواني ممثل والده الشيخ الخلف رحمهم الله، فجعلهم في إرادة ابن عمهم أحمد ولد آبيبك المسعودي ليرفع حاجتهم إليه فمكث أياما لم يكلمه في شأنهم فسأله فقال ما كانت لأرزأ أهل شيخنا شيئا لأجل وفد من قومي، فعزله وكلف غيره. 
وقد جرح اعلي في هذه المعركة كما في التقارير الفرنسية.
وقد رجع رجال من مشظوف بباندق منهم البشير ولد الكوري. 
ووجدت في وثائق عمي الدكتور محمد محجوب بن بيه حفظه الله منقولا عن حمّود ولد أحمدو ولد المحيميد رئيس البرلمان الأسبق، أن الفرنسيين أرسلوا إلى الأمير  محمد المختار ولد محمد محمود ينددون بمشاركة قومه في النيملان ويهددون بإلغاء اتفاقية وارقيطه، فأعطاهم ما ألزموه من ديات قتلى النصارى في النيملان، وأوفد إليهم أخاه أحمدو لتجديد العهد بينهم. وكان في ما ألزموه قطعانا من البقر فلم يجدها الأمير إلا عند فخذ أولاد مَلُّوكْ، لقلة البقر حينها في الحوض، لربما لحصول وباء بوقليب الذي كان ينتاب المنطقة من حين لآخر قادما من حوض النيل (هلك البقر سنة 1892م هلاكا عاما في كل البلاد الموريتانية).
وكان اعلي ولد محمد محمود موصوفا بالعقل والحكمة، وكان ينطق بالحكمة في أشعاره الحسانية، ومن أجودها قوله: 
الدرجَهْ مخلوقِتْ رفَّه * يغير الدرجة قربت فيلْ 
ما يقدر حد ايحشلفَّ * وحد افلتها يوقد ف السيل.
ومن حكمته وحسن سياسته في قومه، أنه لما ولي أمرهم قسّم تدبير إمارته بين إخوته، فأعطى لكل واحد منهم جزءا من القبيلة يسوسه ويدبر أمره، فحسم بذلك مادّة الخلاف والشقاق التي كادت أن تودي بملكهم بعد وفاة جدهم أحمد محمود. 
وكان مداريا للمستعمر غير راضٍ عنهم، مقرّا بسلطانهم على مضض لعلمه بعجز الناس عن دفعهم، وكان يكثر النأي عنهم وانتجاع المناطق القصيّة التي لا يبلغها سلطانهم كالأبيار في أطراف آوكار، وكان يورد ذلك في أشعاره فمنها قوله: 
ال دار ايحجَّل * ويزيد التوحيد 
الا يجبَ تلْ * ولاته، لمسيدْ 
عندو كولنلْ* وعندُو ولد الدَّيدْ.
وقال أيضا: 
مارت تصريف الدهر وراح * يا العقل او لاهي الارض اتسيب
خرص مزين هذو البِطاح * وخرّص مزين ذو لعراقيب
وسهوت هذي البهق في الحق * خرصها ساحل تل وشرق
مزينها هي والمرفق  * وفم اشطف  اخنيق الذيب  
وكان المستعمر يستشعر منه هذا النأي والتجافي، فعملوا على إضعاف سلطته والتفرقة بينه وبين إخوته، وكثيرا ما يصفونه في تقاريرهم بما ليس بحقّ لميله عنهم. ويروى أنهم قالوا لأحمدو ولد المحيميد إن أخاك علي صار "مدقدق راصو" فقال لهم " أدقدق راصي أنا قاع بعيد". وهذا من حكيم الجواب الذي يدل على عقل صاحبه وعلوِّ همته. 
وقد رام المستعمر أن يضعف شوكته وكتب حاكم تنبدغه Sabatier في ذلك مقترحا إلى الحاكم العام، فأوفد اعلي أخاه أحمدو إلى دكار، وربما استعان ثمّ بالشيخ سيديا بابَ، فجاء التوجيه بمهمة تفتيش قادها الإداري روكاش، وخلصت إلى إلغاء المقترح الجديد، واعتماد الإدارة غير المباشرة،  التي تعترف بسلطة الأمير ونوابه من إخواته، وقد وضعوا في ذلك  ما يشبه القانون باللغتين العربية والفرنسية يحدد صلاحيات الأمير وصلاحيات رؤساء فروع الاتحادية وصلاحياء رؤساء القبائل ووضعوا جمعية عامة للاتحادية. 
وفي زمنه استقر أهل المحيميد في تنبدغه وما حولها سنة 1919  بعد أن كان مركز منتجعهم في عصر أبيه محمد محمود وأخيه محمد المختار منطقة الظهر ما بين النعمه وولاته، وقد كان سبب نزولهم هذا الجزء الغربي بطلب من المستعمر لأمنه لتعرضه لكثرة الغزيان في الصحراء وفي سياق حركة أهل الكدية ، كدية أهل عبدوكه، ثم إن اعلي ندم بعد ذلك على قبوله الاستقرار في دائرة تنبدغه وأراد المستعمر على إعادتهم للجزء الشرقي وأن يتبعوا للنعمة فلم يقبلوا ذلك. 
وقد كان بين اعلي وبين سلفنا محبة، وكان له ميلٌ إلى الغظف من دون تغظيف، وروي أنه تأثر بهم بعد حضوره مجلس الفصل بين شيخنا علي ولد آفه وخصومه، وكان يجلّ شيخنا محمد محمود ولد بيه غايةً، وأما شيخنا الشيخ المحفوظ فكان هو الذي أقنعه بالعودة للقضاء والاستقرار في تنبدغه بعد أن انقطع للتربية والتعليم في زاويته بغازَه سنين. 
وقد توفي علي سنة 1943، فرثاه شعراء الحوض ومن أحسن ما قيل فيه مرثية الوليد ولد أحمد ولد دِندِنّي: 
يا الرب ارحم يا الرحيم * شيخ راحم بعيالك كان 
ولا يجلج مسلم وكريم * وراسخٍ فِي قَلْبُ الايمان 
وممن رثاه أيضا شاعر الحوض المرابط محمدُ السالم ولد الشين ولم يكن من دأبه مخالطة أهل الشوكة، وإنما انتدبه الشيخ المحفوظ لرثائه، فقال: 
إن رزءا في العالمين جليّا * موت من كان للإله تقيّا * 
جلّل الشيب والشباب جميعا * والمساكين كلها والصِّبِيَا * 
واليتامى والمرملين ومن قد * خانه الدهرُ والضعافَ الِجثيا* 
قد نعى الناعي لي عليا وليتي * كنت ألقمتُ كلَّ صخر نعيا * 
دفن الناس الجود والمجد طرا * حين واروا وسط الضريح عليا * 
دفنوا العدل والرشاد وراحوا * ينفضون الأكفّ، أمرا فَرِيّا  
جاد ذاك الضريحَ واكفُ مزنٍ * من رضا الله بكرة وعشيّا  
وسَّع الله عنه في القبر مثوى * فيه يستحمل المنزل الأخرويا  
وأراه من النعيم ضروبا * لم تر العين مثلهن بديا *
وكساه من سندس الجنة الله كسا والاستبراق العبقريا  
بارك الله في البقية منه * أحمدُ التابع الرسول النبيا * 
وأخاه المختار من من ملأ الأرض سخا والتابع السنيا* 
الكريمين محيي سنة العدل على الناس والصراط السويا * 
والحبيبين الاريحيين كانا * ينصفان الضعيف يشكو القويا * 
عمر الله أرضكم وحِماكم * وحَماكم ذاك الحسود الغويّا.

المحجوب ولد بيه