مُجتمع لاس بالماس الصَّيفي.. وتجدُّد تذمُّر الإسبان.
تحفَّظتُ على نشر الصُّور القادمة من هناك احتراما للخصوصية.
......ا
جزر الخالدات أرخبيل مرتفع الجاذبية، خاصة في الصيف، زرتها في بداية مراهقتي، وتعوَّدتُ التردد عليها بعد ذلك، كان شقيقي الأكبر ممثلا مقيما لشركة صيد هناك، وكان والدي مساهما في الشركة مع بعض رجال الأعمال منهم محمد ولد خيار، اوليده ولد اسباعي، احمد بزيد ولد عبد الفتاح، رحم الله الجميع، المال يومها غير مُشاب بشبهة، والغِنَى غير مُشتبه فيه أو مُطارد في ذمته للشعب، فتحصيله كان بالصبر وكد السنين الطويلة.. وبالمنطق!
أغلب المتردّدين على الجُزر وقتها من أهل انواذيبُ أو أهل الساحل عموما، بحكم علاقات تاريخية وملتَحِمة المصالح تربطهم بسكان كناريا، ولمن لا يعرف، فاليد العاملة في الصيد في انواذيبُ كانت تُستجلب من كناريا، والمموِّن الرئيسي للمدينة وصاحب أكبر بقالة ومخبز كان من كناريا (افيفو)، كذلك محلات الحلاقة،.. اللغة الإسبانية وعملة لبسيطه (بزَتاس) كانت متداولة بين السكان، فمدينة لگويره حتى رحيل اسبانيا منطقة تجارية حرة، يرتادها تجار انواذيبُ بشكل يومي، ويعبرون إلى كناريا دون عائق إداري.
مجتمع لاس بالماس الأول من الموريتانيين، يحمل تراكما من التَّمدن ومن التواصل والتَّثاقف والنِّدية مع سكان الجزر،.. لكن مع تدفُّق أموال البنك الدولي في التسعينات، وترف المال العام، والمال السَّهل لاحقا، ومال صفقات التراضي، وومال رخص الصيد والتعدين، اكتشَفت فئة من "مُحْدَثي النِّعمة" و"مُحدثي التَّحضر" هذه الجزيرة، انبهروا بها، واعتبروها زاوية مستجلبة من الجنة!وتواتر انطباعات الإسبان الغاضبة من لحظة "تمتُّع" سياحي لنا، وعلى طريقتنا، في شوارع و شواطئ جزيرتهم الودود،..
تبدأ "رحلتنا-راحتنا"، بسباق الصعود إلى الطائرة، هَرج وصيَّاح، وتمرُّد على ترقيم المقاعد،.. تُقلع الطائرة اتجاه لاس بالماس، الصغار يُجرِّبون صلاحيَّة الأزرار فوق رؤوسهم، طِنْ طِنْ، تَجُنُّ المضيفة، تتعثّر خطواتها في الواقفين في الممرات، يتبادلون القصص، يتضاربون الأيدي، فهو لقاء مجتمع المظاهر ومجالسه وحناجره المِهذارة، يستكشف الصّغار مخابئ الطائرة، يندفعون زُمرا إلى الحمام!نفس المشهد سيتكرر في مطار الوصول، تسابقٌ تجاه شُرطة الجوازات، تدافعٌ بينيٌّ، حماس مُنشَّطٌ، فرحٌ مُستثار، وضحك لمدى الصوت.على بساط الأمتعة المتحرِّك، أكياس من الفلِّين الأبيض عُبِّئت فيها الكبده والفلكه والسَّمك.
أخذٌ وردٌّ، وسين وجيم مع "گوارْدْيا سيفيلْ"، وفي مكتب مقابل سيدة أنيقة، مصعوقة الملامح، تكتشف فجأة أنها تُخالف القانون، فهي تجهل ضرورة التصريح بمبلغ جاوز عتبة المسموح به هنا وهناك، ومُهددة بالتحفظ عليه أو التغريم.
في موقف السيارات، حرب بين مُلاَّك التَّاكسيات الإسبان المرخَّصين و تبتابِتْ المطار المُتطفِّلين من الموريتانيين، إذْ "يُشغِّلون" سيَّارات خُصوصيَّة غير مُنتسبة لشركات النقل الرسمية، ولا تدفع الضَّرائب، أي ما يعرف بالعمل الأسود.. وغير بعيد نقاشات متشنجة بين السائقين والأسر كبيرة العدد، تذمُّر من الحزام، مُفاوضات لإقناع السائق بليِّ ذراع القانون بزيادة الحمولة بطفل أو اثنين.. غالبا تتدخل سيارات التَّبتابه "الأصدقاء" لإنقاذ الموقف بمقابل،.. وبتحايل، وقلة القليلة تسلك على استحياء سبيل الحافلة دون عُقد.
المصطافون من فئتين، فئة أغنياء بالمعنى الحقيقي، وتملك شققا على الجادة الراقية "خوسي مَسَا إي لوبيز"، تملك سيارات فاخرة، وتملك فوق ذلك عقلية الثَّراء بمفهومنا، أيْ على العالم أن يتغيَّر ويتكيف مُسايرًا أذواقها وأمزجتها، فالنَّاس ووقتهم مُجرَّد سلع!
أما الفئة الثانية فأغنياء بالمعنى المجازي، أغنياء مظهر، وعمودها الأساس، أسر الموظَّفين الكبار التي ترتفع أسهمها ومواقعها وتهبط حسب التَّعيين والتَّمكين، وكذلك رُكاب موج الصفقات السهلة (لعْماير)، وتظل هذه الفئة تُكابد للحفاظ على "ابرستيج" العطلة كعادة صيفية، حتى بعد سقوط الألقاب والنياشين، فالعطلة صيانة للمستوى، ولماء الوجه الاجتماعي.
تذهب أفواج المصطافين من الفئة الثانية في تواريخ متزامنة، فيُجهِدون سكينة الجزيرة الوديعة، لا تستفيد منهم البنى الفندقية، ولا الشقق السياحية لأنَّ تأجيرها له أصول،.. يستأجرون شققا صغيرة أساسا في دائرة "البويرتو" وما جاورها، مثلا أسرة من عشرة أفراد في غرفتين، أو تَجمُّع أُسَرٍ يتحاصَصُ شقة واحدة، يُضارب بها الوسيط التبتاب، يستأجرها ب 500 إلى 700 أورو، ويؤجِّرها للوافدين بين 3000 إلى 4000 أورو، مفروشة ببعض سقط المتاع البلدي، وقد تَعْرِض بعض الأسر المقيمة منازلها للكراء،..
لا يرغب الإسبان كثيرا في التأجير للموريتانيين، لتبعات ذلك، وأوّله تذمُّر الجيران وشكاياتهم: الهول، أوساخ أتاي، الافراط في استخدام المصعد، كثرة الزوار، فاتورة الاستهلاك الكبيرة للضوء والماء بحكم ضغط كمٍّ بشري على شِقة واحدة، وغالبا لا يخرج الأثاث سليما من التجربة. ما يقوم به أهل بلدنا ليس سيَّاحة بالمعنى التقليدي، هو استراحة، أو راحة من ضغط الحياة، يتركزون في مكان محدد في شكل "افريگ"، لضمان التلاقي السَّهل والتَّمظهر على بعضهم، لا يشاركون في الرَّحلات الاستكشافية للأرخبيل الجميل، ولا زيارة المحميات الطبيعية المبهرة مثل "تاما دابا"، أو رأس جبل ذروة الثلج الذي يمنح مشهدا بانوراميا للجزيرة، لم أصادف موريتانيا في المتحف، أو في "بالميتوس بارك"، وهو مكان عجيب لتنمية مدارك الأطفال، ولا في السهرات الفلكلورية المحلية، لا اتصال بينهم والسكان، لأن زيارة هذه الأماكن تتطلب استيقاظا مبكرا، وقومنا سياحتهم ليلية، خلافا لبقية سواح العالم،.. فالبرنامج اليومي كالتالي: النوم حتى الثانية زوالا، استهلاك بعض الفاست فود، وفي حدود الرابعة ينطلق الأطفال والمربيَّات في قطعان نحو "مسا إي لوبيز" ، الجادة الرئيسية في لاس بالماس، ينخرطون في جوقة كبيرة من ضوضاء غير متآلفة حتى الفجر، يتنططون على المقاعد، ينفِّذون حركات بهلوانية ب "اسكوتر" بين المارة، يندفعون نحو المجمَّع العملاق" الكورت انجليز" ، يكتشفون السلم الكهربائي، يسقط طفل، تسقط حَكَّامه، ضحكات بريئة، صعود ونزول من الطابق تحت الأرضي إلى الطابق السماوي، ثم الخروج دون شراء قطعة حلوى!،..
باب الخروج يؤدي إلى عالم يَفتح مصراعيه على قاعات القمار الصغيرة (محجة تدريبية للمنشغلين بالقمار من محدودي الفساد) ،.. ألعاب القطع النقدية، محلات الفاست فود،.. وبالمناسبة، استدعى أحد المحلات الشرطة ذات يوم، لأن مراهقة موريتانية طلبت قطعة هامبورجر ونَقَدَت عامل الصندوق ورقة من فئة 500 أورو! ،.. قاصر ما عندها الدگديگ!
في الأثناء ذاته، ستكون الأمهات في مشاوير تردُّدٍ أو استكشاف، لمجمَّعات تجارية ودكاكين آسيوية حيث الهنود، وحيث السيدة الصينية الأشهر في "لاَنفالْ"، وهي مَزارات من أركان التَّسوق، ومنها أيضا مُجمَّع "الكورت" نفسه، ومُولاتْ: "سييتا بالْما"، "لابايِّينا"، و"لاسْ آريناسْ"، التسوق هيستيري، شراء كل شيء وأي شيء،.. إنفاق سائحاتنا الفلكي للمال السائل، جعل الإسبان يتندرون على موريتانيا بأنها إمارات شمال إفريقيا!
انْهارْ فايتْ، گالي أرگاج عنو اجبر وحده من أهل الرفاه الجُدد تتخبط ذاهبه، سولها اشواعده، گالتلو:«يولي المرصه ذيك الخظره»، تعني "الكورت"!
في المساء، تجتاح جموع مواطنينا الأعزاء، شاطئ "لاسْ كانتاراسْ" النظيف، ولن يبقى عليه بعد العاشرة سائحًا غيرهم، يجلسون على تربة الشاطئ اجْمايع، اجْمايع، وصيَّاح الأطفال يملأ الآفاق وأتاي ولعْشَ،.. والطريف أنه يحصل نوع غريب من تَخَاُطر الاستهتار بين "مَسا" الشارع و"لاس كانتاراس" الشاطئ.
أما الجماعة المصنفة "ابْرانْشي" من المقامرين الكبار والمخنّثين والمُتگِّرين والمتگَّرات، فتحوم لياليها حول البينگو والگازينو وديسكوتك،.. هناك من يلعب، ومن يُلعبُ به، وهناك من يتسوَّل ويستجدي مُلاَّك المال السهل، وهناك من ينتظر إخراج اكرامية سَهمِ قِمار رابح، ويُختتم نهارهم عند الخامسة صباحًا.
تنتعشُ على حوافِّ موسم الحج السياحي هذا قطاعات، منها المصنف، كالعيّادات الطبية الخاصة، ومراكز التجميل، وشركات التأمين الصحي قصير المدى، وبعض المتاجر، أما القطاع غير المصنف فهو التبتابه، يُقدِّمون كل الخدمات التي يمكن أن تدور في خَلد المستريح الموريتاني، ويدركون أن المال السهل يُنفق بذات سهولة تحصيله.
أما يوم الرحيل عن الجزيرة، فمن مستوى يوم الخَندمة، التيفاية والكُولياتْ ولكْياصْ والصِّياح، وسُؤال لكل "وازنٍ" : انتَ ما ابگاوْ عنك كيلوات من وزنك؟!
لا شيء في سياحتنا المتخلفة يُحفِّز على الشعور بالفخر، فمدَنِيَّتُنا طقوسها كاذبة، زائفة،.. القضية بمجملها مالٌ سائب في يدٍ منبهرة بقشور الكماليات الجديدة عليها، وتخلفها ذاتيّ التحريض، يجدد نفسه آليا!
طاب يومكم.
الدهماء