حذف من تاريخ الغرب الوحشي
لقد ارتكب الغرب عامة، وأمريكة خاصة، من الجرائم في حق الإنسانية ما لم ترتكب أمة من الأمم، ولم تُعرف في التاريخ أمة أقسى من الغرب، ولا أقلَّ إنسانية، ولا أشدَّ وحشية وإرهابا، وعيثا في الأرض فسادا، ولذلك قال دارون: "حيثما خطا الأوربيون، مشى الموت في ركابهم إلى أهل البلاد"، وقال تولستوي: "أولئك الذي يقدِّمون أنفسهم على أنهم أكثر الشعوب تحضراً وتقدماً هم في واقع الأمر أكثر الشعوب سفكاً للدماء وأقلهم إنسانية وأخلاقاً". وكان القتل في تاريخهم قرينَ الاستعمار، وقلَّما بلغوا من بلد ما أرادوا إلا بالقتل والدمار، وكانوا -مع ذلك- يرون أن ما يفعلون قربةٌ إلى الله، ونعمة منه على من يَقتلون ويدمرون، وأنهم ينشرون الحضارة، ويُخْرجون الناس من الظلمات إلى النور، يستوي في ذلك أولهم وآخرهم، وهو أمر، ما أعرف له نظيرا إلا ما ورد في أسفار العهد القديم، مِنْ زعم أصحابها أن الله أوصاهم عند الانتصار على العدو بالإبادة الشاملة التي لا تستثني ذا روح: "إِنِّي سَوْفَ أَمْحُو ذِكْرَ عَمَالِيقَ مِنْ تَحْتِ السَّمَاءِ"، "لِلرَّبِّ حَرْبٌ مَعَ عَمَالِيقَ مِنْ دَوْرٍ إِلَى دَوْرٍ"، "اُذْكُرْ مَا فَعَلَهُ بِكَ عَمَالِيقُ فِي الطَّرِيقِ عِنْدَ خُرُوجِكَ مِنْ مِصْرَ"، "مَتَى أَرَاحَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ مِنْ جَمِيعِ أَعْدَائِكَ حَوْلَكَ فِي الأَرْضِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَصِيبًا لِكَيْ تَمْتَلِكَهَا، تَمْحُو ذِكْرَ عَمَالِيقَ مِنْ تَحْتِ السَّمَاءِ. لاَ تَنْسَ"، "فَالآنَ اذْهَبْ وَاضْرِبْ عَمَالِيقَ، وَحَرِّمُوا كُلَّ مَا لَهُ وَلاَ تَعْفُ عَنْهُمْ بَلِ اقْتُلْ رَجُلًا وَامْرَأَةً، طِفْلًا وَرَضِيعًا، بَقَرًا وَغَنَمًا، جَمَلًا وَحِمَارًا". ومما يبين عن جانب من وحشية الأوربيين وعدائهم للإنسانية، ما جاء في رسالة جون ونثروب، الحاكم الأول لمستعمرة مساشوستس إلى نانتنيال ريش: بفضل الله ونعمته لم يَمُت من المستوطنين (الأوربيين) الأربعة آلاف في السنة الماضية سوى اثنين أو ثلاثة بالغين، وبعض الأطفال، وكنا نادرا ما نسمع بالملاريا أو غيرها من الأوبئة، أما الهنود الحمر، فماتوا كلهم تقريبا بالجدري، وبذلك أعطانا الله صكَّ هذه الأرض. وقول وليم برادفورد، حاكم مستعمرة بليموث: مما يُرضي اللهَ ويفرحه أن تزور هؤلاء الهنود، وأنت تحمل إليهم الأمراض والموت، فيموت 950 منهم من كل ألف، وينتن بعضهم فوق الأرض، فلا يجد من يدفنه. "إن على المؤمنين أن يشكروا الله على فضله هذا ونعمته". وهو شبيه بما كان المارشال الفرنسي فالي يقول فيما صنع بالجزائريين: "إن الله معي ينصرني، ويرعاني"، وبما كان جورج بوش الابن يقول لخلصائه، إن الله هو الذي يهديه إلى ما يرتكب من جرائم في حق البشر. وفي أثناء حملته الانتخابية كان يقول إن يسوع هو المفكر المفضل لديه؛ لأنه "أنقذ له قلبه". وقال بعد انتخابه: "ما كنت لأصبح حاكما لو لم أكن أؤمن بخطة إلهية، تحل محل الخطط الإنسانية كلها". وقال في خطبته الأولى بعد توليه الرياسة: إن ملكا "يقود الدوامة، ويوجه هذه العاصفة".
وقال هوارد سيمبسون: إن المستعمرين الإنجليز ما اجتاحوا أمريكة بعبقريتهم العسكرية، أو دوافعهم الدينية، أو طموحهم، أو وحشيتهم، وإنما بحربهم الجرثومية التي لم يَعرِف لها تاريخ الإنسانية مثيلا. وهو واضح من قول وليم برادفورد: "تزور هؤلاء الهنود، وأنت تحمل إليهم الأمراض والموت". وقد أهدى بعض هؤلاء إلى الهنود في فورت كلارك عام 1837 أغطية مسمومة بجراثيم الجدري، فقتلت منهم في أقل من سنة أكثر من مائة ألف نسمة. وكان الهنود الحمر قبل غزو كولمبس بلادهم 112 مليون نسمة، فلم يبق منهم عام 1900 سوى ربع مليون. ولَخَّصَ نيقولاس أوستلر -وكان يتعمد عدم تسمية الأشياء بأسمائها، ويؤثر التلميح على التصريح، على وجه يَخفَى المراد منه على من لا يعرف طرفا من تاريخ الأوربيين في أمريكة، وما ارتكبوا فيها من جرائم، لا مثيل لها- لخص ما فعل بعض الأوربيين في أمريكة، فقال إن من المستحيل تقدير سكان الأمريكتين، قبل اتصال الأوربيين بهم، ذلك أن التقديرات تتراوح بين 13 مليونا و 180 مليون، ولكنْ في كل مكان دليل على سقوط قتلى بالجملة، بكثرة، في السنين الأولى من وصول الأوربيين، وقد شكا الإسبان من تفريغ أول الجزائر التي استعمروها من سكانها، وهي كوبا، وهسبانيولا. وتُبيِّن الأرقام سبب شكواهم، فقد كان سكان هسبانيولا عام 1494 م مليونا ومائة ألف نسمة، وفي عام 1514 (أي بعد ثمانية عشر عاما فقط) كانوا اثنين وعشرين ألف نسمة فقط!. وأصاب المكسيكَ كثيرٌ من الأوبئة، وبدأت بالزيارة الإسبانية لعاصمتها تينوكتيتلان، فأُبعد عنها جلُّ سكانها الأصليين، وانتشرت جنوبا إلى غواتيمالا. وكتب جوزيف دي أوكوستا في العقد التاسع من القرن السادس عشر أن سكان سواحل حوض البحر الكاريبي كله تعرضوا للضياع والتشرد، وفُقِد منهم تسعة وعشرون من كل ثلاثين، وقال إن من المحتمل أن سائر الهنود سيضمحل بعد وقت قصير. وقاد هرناندو دي سوتو حملة من فلوريدة والساحل الجنوبي الشرقي لأمريكة الشمالية في منتصف القرن السادس عشر، فوجد زحاما كثيفا من الهنود، متجمعين في مدن صغيرة على نهر المسيسيبي قرب ممفيس الحديثة، ولما زار الرجال البيض البلاد عام 1682 (وكانوا فرنسيين) وجدوها مهجورة (أي إنهم أبيدوا). وكان فتك الأمراض بالسكان الأصليين أسرع من فتك رؤوس حراب الإسبانيين، فقد وصل الجدري إلى بيرو عام 1525، وإلى فرانسيسكو بيزارو عام 1532، وأودى بحياة هواينا كاباك، من عشيرة الإنكا، وكثير من أقاربه. وبعد ذلك حلَّت أوبئة كالتيفوس، والزكام، والدفتريا، والحصبة، ومزيد من الجدري، في كل مكان، فأبادت السكان. ثم يقول: "ولم يكن الغزاة الإسبان غزاة إنسانيين على نحو ملحوظ". ومن حصاد التوحش الغربي ما فعلت فرنسة بالجزائر طوال 132 عاما، قتلت فيها خمسة عشر مليون جزائري (57% من الشعب)، وقنبلتا هيروشيما ونجازاكي، عام 1945، وما قتلت من الشعب العراقي بالسلاح النووي المنضب عام 2003، فإذا رأيت ما ترى اليوم من مناصرة الظلم، وعونه والتمكين له، فلا تعجب، فإنما هي "شنشنة أعرفها من أخزم". (انظر مزيدا من التفصيل في تاريخ الغرب الوحشي في كتابي "الهوية بعد الحادي عشر من سبتمبر").
أ.د. نختيرو ولد الغوث