تدوير المتقاعدين في موريتانيا: أزمة كفاءة أم صراع نفوذ؟
في ظل الحديث عن خروج بعض الوزراء من الحكومة الحالية بسبب قرار منع المتقاعدين من التعيين في مناصب، والرسالة الموجهة من وزير الاقتصاد والمالية لشركاء موريتانيا في التنمية بمنع المتقاعدين من الوظائف الدولية الدائمة يتجدد النقاش حول ظاهرة تعيين المتقاعدين في المناصب الإدارية العليا، رغم وجود جيل شبابي مؤهل قادر على سد الفراغ في هذه المواقع. وقد أثارت هذه الظاهرة انتقادات واسعة، ليس فقط بسبب تأثيرها السلبي على فرص الشباب، بل أيضًا لما تحمله من أبعاد سياسية واجتماعية تعكس اختلالات هيكلية في منظومة الحكم.
التقاعد: بين النصوص القانونية والواقع العملي
وفق القانون الموريتاني، يُحدد سن التقاعد بـ63 عامًا للعمال العاديين و65 عامًا لأساتذة الجامعات. ورغم وضوح النصوص، إلا أن التطبيق يواجه تحديات، إذ تستمر تعيينات المتقاعدين في مواقع حساسة، ما يُظهر تناقضًا بين القوانين والسياسات الفعلية.
مؤخرًا، أصدرت الأمانة العامة للحكومة أوامر بإعداد قوائم المتقاعدين الذين يشغلون مناصب حكومية، في خطوة يُنظر إليها كاستجابة لضغوط الرأي العام، ولكنها تظل محل تساؤل حول مدى جديتها وفعاليتها. فبينما أكدت الحكومة ضرورة منع المتقاعدين من شغل وظائف دائمة، يبقى السؤال: هل سيتم تطبيق هذا القرار على الجميع، أم سيُستثنى أصحاب النفوذ؟
مجالس الإدارة: ساحات للصراع
من أبرز مظاهر هذه الظاهرة الصراع على رئاسة مجالس إدارة المؤسسات الكبرى، مثل شركة “اسنيم”. فهذه المناصب تُعتبر مواقع استراتيجية، تُتيح لأصحابها النفوذ والامتيازات المالية. وتشير التقارير إلى وجود “حرب خفية” بين المتقاعدين أنفسهم وأحيانًا مع أطراف أخرى، للاستحواذ على هذه المواقع، ما يعكس غياب الشفافية والعدالة في التعيينات.
المجال الدبلوماسي: دار المسنين
يمثل المجال الدبلوماسي في موريتانيا أحد أبرز القطاعات التي تعاني من ظاهرة تدوير المتقاعدين. ورغم أهمية هذا القطاع وحساسيته في تعزيز صورة البلد خارجياً، إلا أن التعيينات فيه لا تزال محكومة بمعايير لا تخدم بالضرورة الكفاءة أو المصلحة العامة. فعدد كبير من السفراء الحاليين بلغوا سن التقاعد منذ سنوات، مثل سفرائنا في كندا، وسوريا، وقطر، والبرازيل، وألمانيا، وإيطاليا، واليابان، ونيجيريا، وأنغولا، وغامبيا، ومالي.
ومن اللافت أن بعض هؤلاء السفراء تم تعيينهم بعد بلوغهم سن التقاعد، في خرق واضح للنصوص القانونية المتعلقة بالوظيفة العمومية. على سبيل المثال، يتم إدارة بعض السفارات عن بُعد، كما هو الحال في سفارتنا بمالي، حيث يُقال إن السفير لا يغادر نواكشوط، ويدير مهامه عبر الهاتف.
بالإضافة إلى ذلك، يشهد القطاع صراعات خفية على المناصب، مثل إدارة الأكاديمية الدبلوماسية، التي أصبحت مطمعاً للمتقاعدين بسبب الميزانيات المخصصة لها. ويبدو أن هذه الصراعات تعكس غياب الشفافية وتفشي ثقافة النفوذ والوساطة في التعيينات.
الشباب: ضحية التهميش
تشير الإحصاءات إلى أن 78% من سكان موريتانيا تقل أعمارهم عن 35 عامًا، ما يجعلها دولة شابة بامتياز. ورغم ذلك، يعاني الشباب من التهميش في التعيينات الإدارية والسياسية. وبدلًا من أن تكون الكفاءات الشابة هي القاعدة، أصبحت الاستثناء، في ظل هيمنة المتقاعدين على المناصب الحيوية.
إن تدوير المتقاعدين لا يُعبر فقط عن أزمة في تطبيق القانون، بل يكشف أيضًا عن خلل أعمق في فهم مفهوم الكفاءة والتجديد. ففي عالم يتجه نحو الرقمنة والتحديث، تُظهر بعض القيادات الإدارية ضعفًا في مواكبة التطورات، ما يؤثر سلبًا على الأداء العام للمؤسسات.
المصالح الشخصية أم المصلحة العامة؟
يرى البعض أن الإبقاء على المتقاعدين في المناصب يعود إلى رغبة النظام في مكافأة الولاء السياسي أو الحفاظ على توازنات معينة. وقد أشار مراقبون إلى أن بعض التعيينات تتم بناءً على العلاقات الشخصية أو الانتماءات العائلية، وليس الكفاءة.
قرارات الحكومة: اختبار حقيقي
قرار الحكومة الأخير بمنع المتقاعدين من شغل وظائف دائمة يُعد خطوة إيجابية، لكنه يواجه تحديات كبيرة. فهل سيتم تطبيقه بصرامة؟ أم أن الاستثناءات ستُفرغ القرار من مضمونه؟
التجربة أثبتت أن الإصلاح الحقيقي يتطلب إرادة سياسية قوية وشراكة مجتمعية. فإذا أرادت موريتانيا أن تحقق نهضة شاملة، فلا بد من تمكين الشباب وإفساح المجال أمامهم لتولي المسؤوليات.
إن ظاهرة تدوير المتقاعدين في موريتانيا ليست مجرد مشكلة إدارية، بل هي انعكاس لأزمة أعمق تتعلق بالحكم الرشيد والعدالة الاجتماعية. إن تطبيق القانون واحترام معايير الكفاءة والشفافية هي السبيل الوحيد لتحقيق تطلعات الشباب وضمان مستقبل أفضل للبلاد في مأمورية يدعى أنها للشباب وبالشباب!
سلطان البان