الضاد
حرف الضاد من الحروف التي تميَّزت به لغتنا العربية ، فهو غير موجود في اللغات الأخرى ، ولا يمكن إيجاد صوت مشابه له في أي لغة غير العربية.
والضاد من أصعب الحروف، بحيث يتعذر النطق بها إلا بالرياضة التامة حيث أنها تشبهُ الظاء ولا تمتاز عنها إلا بالاستطالة والمخرج ولهذا عَسُرَ التمييز بينهما وأن بينهما ما يسمى عند علماء البديع بالجناس اللفظي.
قال السيوطي في عقود الجمان:
قلتُ وإن تشابَها في اللفـظ :: كالضاد والظاء فذاك اللفظي
والضاد حرف تختص العرب بالنطق به سليقةً ، ولاختصاص العرب به سميت لغتهم لغةَ الضاد قال أبو الطيب المتنبي:
وبهم فخرُ كل من نَطَقَ الضاد وغوثُ الجاني وغيْـثُ الطريـد
ويقول البوصيري في همزيته:
فَارْضَهُ أَفْصَحَ امْرِئٍ نَطَقَ الضَادَ فَقَامَتْ تَغَارُ مِنْهُ الظَاءُ
يقول سيبويه: بين أول حافة اللسان وما يليه من الأضراس مخرج للضاد ، وهو قول ابن مالك والسيوطي، وقيل لا ينطق بالضاد والحاء غير العرب.
وقيل لا يخرج من موضعها غيرها ، وذهب الخليل إلى أن الضاد شجرية من مخرج الجيم والشين وعلى هذا يشركها غيرها فيه.
وقال أبو حيان خروج الضاد من الجانب الأيسر عند الأكثر والأيمن عند الأقل. ويحكى أن عمر بن الخطاب كان يخرجها من الجانبين معا.
ويدل كلام سيبويه أنها تكون من الجانبين.
ويقول العلامة الشيخ محمد فال ولد باب (اباه)
لا تجعل الضاد كدال أوكطا :: وليس جعلها كظاء بخطا
ويرى العلامة محمد سالم ولد عدود أن الأولى إن لم يستطع الإنسان نطقها أو عسر عليه ، أن ينطقها ظاء.
وكثيرا ما سمعنا الإمام الأكبر بداه ولد البصيري وهو يجتهد بجهد ملحوظ لضبط إخراجها من مخرجها.
وذكر العلامة الشيخ محمد سالم ولد عدود رحمه الله أن احد تلامذة والده من الحسنيين كان يقول (ضاد محمد عالي منين توكل لخريفَه الجايَ تعود ظاء).
وعند عودة العلامة الشيخ محمد فال بن بابَ العلوي (اباه) من رحلة الحج أشاع القراءة بها قريبة من الظاء المألوفة خلافا لما عليه أهل المنتبذ آنذاك. وقد أخذها عنه الشيخ سيديا باب وألف عنها رسالة وأخذ بها تلامذته وذووه كأبنائه وأبناء أبي مدين.
وقال الشيخ أحمد بن الداه بن أحمدو بن محمد الباقر الديماني الفاضلي مخاطبا شيخه محمدفال بن باب بن أحمد بيبَ:
ذي الضاد جدت لها ياحاتم الطائي :: بمنطق صانها عن منطق الطاء
لكن تصول عليها الظا فدونكها :: لم أستطع منعها من صولة الظاء
ويقول الشيخ سيديّ باب في كتاب الضّاد:
والرواية التي وُعد بها قبلُ ماشافهنا به أخونا الأديب العالم الثقة المحقق التقي الشيخ محمد فال بن باب بن أحمد بيب العلوى حفظه الله وجزاه خيرا ، ثم طلبنا منه كتابتها ، فكتب ماصورته:
" الحمد لله وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم ، قرأت الفاتحة وبعض السور على المقرئ بالحرم المدني ، مفتتح عام سبع وثلاثمائة وألف ، وهو الشيخ أحمد بن محمد الصوفي من أهل القسطنطينية وجدته مجاورا بالمدينة ماهرا في فن القراءات والتجويد يتصل سنده بابن الجزري وكنت أتردد عليه مادمت في المدينة ولما سمعت أولا كيفية نطقه بالضاد ظننته يجعلها ظاء فقرأت عليه بها فقال لى " ظَ " لا و "ضَ " لا , يعنى ب "ضَ " لا النهى عن الذى يقرأ به أهل بلادنا ومن يقرأ كقراءتهم ،وأنا كأني لا أسمع منه إلا الظاء وهو لايرضى بها مني فقلت له ما الفرق ، فقال لي: والضّاد باستطالة ومخرج مَيّز من الظاء.
انتهى ماكتبه محمدفال".
وقال الشيخ سيديّ باب :
الضّاد حرفٌ عسيرٌ يُشْبِهُ الظّاءَ :: لاَ الدّال يُشْبهُ فى لفْظٍ ولا الطّـاءَ
لَحْنٌ فشا منذ أزمان قد اتّبعـــتْ :: أبنــــاؤهم فيــــه أجــدادا وآبـــــاءَ
من غير مُستند أصلا وغايتُهم :: إلْـــفُ العوائــــد فيه خبْطَ عــــشْواء
والحقُّ أبْلجُ لايخْفي على فطنٍ :: إن اسْتضاء بما في الكُتْب قد جاءَ
هذا هو الحق نصًّا لاَمَـردّ له :: مَنْ شَاءَ بالحقّ فَليومنْ ومَن شَــاءَ
وقال العلامة حبيب ولد الزايد التندغي:
أحييْتَ ياشيخُ ميْت العلم إحياءَ :: نعم واسمعت لو ناديت أحياءَ
لكنْ ظلامُ الهوى أعمى البصائر مِنْ :: مَنْ عارضوك بما لم يُجْدِ إجْداءَ
قد عارضوك بأن الضّاد لم يكُ عَيْــــــنَ الظاء واستحسنوا من ذاك ما ساء
كأنهم غَفَلوا عَمّا افتتحت به :: "الضّاد حرف عسير يشبه الظّاء"
وليس جعل ذوى الانكار ضادكُمُ :: ظاءً يُصيّره في نفسه ظاء
فالحسُّ يغلط في الأشياء يحسبها :: شيئا كما قد يظنّ الشيء أشياء
وحُبّك الشيء أحيانا يُصمّ كما :: عن أفصح الخلق خير العٌرب قد جاءَ
ماقلتَ إلا الذى في الكُتْب جاء ومن :: لم يتّصف بالحيا فليات ما شاء
يامن بفهم وإنصاف قد اتصفوا :: تأمّلوا صرّحتْ لاريب جــــدّاء
وقال العلامة محمد فال بن بابَ (اباه):
من أنكر الحق لا تنصب تعالجه :: فإن فيه عضالا ذلك الداءَ
ومن تأمل ألفى أصل علته :: كون الطباع لما لم تألفه أعداءَ
كامل الود
سيد محمد