الرحى الحجرية.. ذاكرة الأجداد وأداة الطحن التقليدية


مع تطور التكنولوجيا الحديثة، اختفت كثير من الأدوات التراثية التي كانت تحتل مكانة بارزة في زوايا بيوت الأجداد، لتحل محلها الآلات الكهربائية بمختلف أنواعها. ومن بين تلك الأدوات التي ارتبطت بالحياة اليومية قديماً، الرحى الحجرية، التي ظلت لسنوات طويلة وسيلة أساسية لطحن الحبوب وإعداد الغذاء.
تركيب الرحى الحجرية وطريقة عملها
تتكون الرحى الحجرية من حجرين ثقيلين مستديرين، أملسين من الداخل، يوضع أحدهما فوق الآخر بصورة متطابقة، ويكون الحجر العلوي مزوداً بفتحة صغيرة لإدخال الحبوب المراد طحنها. كما يوجد في وسط الرحى ما يساعد على تثبيت الحجرين وضبط توازنهما أثناء الدوران، فيما يُثبَّت في الحجر العلوي مقبض خشبي يُمسك به لتدويره وتحريك الحبوب بين الحجرين حتى تتحول إلى دقيق.
وقد كانت النساء قديماً يتولين عملية الطحن باستخدام الرحى، لتوفير الدقيق اللازم لإعداد الطعام، في مشهد يعكس جانباً من تفاصيل الحياة اليومية، وما كانت تتطلبه من جهد وصبر ومهارة.
حنين الرحى وجعجعتها في الأمثال
لم تكن الرحى مجرد أداة للطحن، بل كان لصوتها حضور مألوف في البيوت القديمة؛ إذ يُوصف صوتها أثناء العمل بالحنين، بينما تُسمع جعجعتها عندما تدور دون وجود الحبوب بين حجريها.
ومن هنا ارتبطت الجعجعة بالمثل العربي الشهير: «أسمع جعجعةً ولا أرى طحيناً»، الذي يُضرب لمن يكثر الكلام والضجيج دون أن يحقق نتيجة ملموسة.
وللرحى مكانة في الأمثال الحسانية أيضاً، حيث يُقال: «الرحى الكبيرة ما أدشش»، في إشارة إلى ما يُتداول شعبياً بشأن حجم الرحى وعلاقته بخصائصها وجودتها.
الرحى في الشعر العربي
لم تغب الرحى عن ذاكرة العرب وأدبهم، فقد استحضرها الشاعر الجاهلي زهير بن أبي سلمى في معلقته، حين قال:
فتَعْرُكُكُمْ عَرْكَ الرَّحَى بِثِفَالِهَا
وَتَلْقَحْ كِشَافًا ثُمَّ تُنْتِجْ فَتُتْئِمِ
وفي هذا البيت تصوير لقوة العرك وشدته، من خلال تشبيه ما يتعرض له القوم بعرك الرحى للحبوب، في صورة تستحضر أداة كانت معروفة في حياة العرب، وتكشف عن حضورها في لغتهم وأشعارهم.
الرحى الحجرية.. حكاية تراث لا تُنسى
على الرغم من أن الرحى الحجرية تراجعت أمام المطاحن والآلات الحديثة، فإنها لا تزال تحتفظ بمكانتها في الذاكرة الشعبية، بوصفها شاهداً على نمط حياة قديم، كانت فيه الأدوات البسيطة جزءاً أساسياً من تدبير شؤون الأسرة وتوفير الغذاء.
إن الحديث عن الرحى ليس مجرد استعادة لأداة قديمة، بل هو استحضار لمرحلة من تاريخ المجتمع، ولجهود الأجداد والأمهات، ولتراث يستحق التوثيق حتى تتعرف الأجيال الجديدة على تفاصيل حياة من سبقوها.
وكالة الساطع الإخباري | عين على التراث