د .إشيب ولد اباتي/ مظاهر الفساد، والجمع بينها، وبين المفسدين.. إلا "الهزة العنيفة"..

 

قرأت مقالا  مطولا قبل ساعة على موقع " الساطع" لأدباء، وفناني، وكتاب ولاية لعصابة، وهو مقال ممتاز، لقلم سيال، صال، وجال صاحبه  في تشريح مظاهر الفساد، والاقتراب من كشف المستور، لكن الاقتراب من المحظور، دفع لمأثرة  السلامة، وأداء المطلوب، بارجع الفساد إلى منابته، رغم أن الجفاف، والأرض الجدباء، جاءت على كل نبتة،، إلا فصلي خريف، وربيع الفساد، وانتشار طفيلياته القاتلة،، طيلة فصول السنة، وكأن الكاتب قلب المقولة،  للتأسيس على فرضية، وهذا " ما أفسده الدهر"..!
فالكتاب أسس للفساد  بمظاهره، زاعما أنها أصوله التي تشرعنه، أو تبرره..
ومثال ذلك في الاقتباس التالي:((
كل طبقة من طبقات الفساد مرتبطة بالسلوك اليومي وبقيم المجتمع ومظاهر أفراحه، وتعيش عليه فئات أصبحت مسموعة الكلمة ولها دور في توجيه المجتمع..)) .
بينما الأولى، هو تأكيد العكس، لأن السلوك اليومي، هو المرتبط بطبقات الفساد، وقل الشيء ذاته عن قيم المجتمع المستجدة، ومظاهر الافراح،  والفئات مسموعة الصوت، والمتبوعة في توجيهاتها، لكن من يستمتع معها؟ أو يسمع خاضعا له غير المستنفعين من التبعية  لها؟ ومن توجهه؟ ومن يفرح معها؟
والسؤال الذي يطرح في هذا المجال، هو أي القيم أولى بالكاتب استحضارها هل هي قيم الصلاح، ودرء الفساد، أو قيم التفاهة، والفئات  المجتمع الهامشية، وتوجياتها في الاستغراب في الميوعة والفساد…؟
وأين موقف الكاتب من هذه الأخيرة، وهو يبحث عن مواجهة الفساد بالاستراتيجية المذكورة،،،؟
وهذا  التناقض في جزئتي عرض الفساد، وتجنب التركيز على عوامله، يتجاوز حدودهما الى التنافي بين الكليات، وهذا  الخلط بين  الفساد، ومأسسته على القيم، والفئات الاجتماعية الهامشية في المجتمع ما قبل عهود الفساد السياسي، والسلوك الذي جر الطقات الفاسدة الى الفساد..
ولعل هذا يحيل   إلى النظرة التعميمية التي أعمت بصيرة القراء - على الأقل -  نظرا  لوضع ما اصطادته التجربة السياسية في بلادنا  في سلة واحدة، وبدون تمييز،  أو محاولة جادة،  بدلا من أسلوب الإثارة المتداول إعلاميا،  الذي يحول دون نزع رأس السمكة الفاسد عن  باقي السمك الصالح على حد زعم " إيمانويل الكانط"، غير أن الكاتب يخالفه التصور بوضعه الجميع  في كفة واحدة، لتنزل كفة  ميزان الفساد بعد وضعه فيها :
١ - العوامل التي أدت إلى الفساد..
٢ - وقوى الفساد،،
٣ - ومظاهر الفساد…
ومثال ذلك في الاقتباس التالي:((..أما المظاهر السياسية للفساد، فتارة تتجسد في إرادة سياسة الحاكم لأجل تثبيت حكمه  (وهي الحالة الأطول)، وتارة يكون رئيسنا - أي رؤسائنا، قصد الكاتب،  لأن المختار ولد داداه لم يكن فاسدا ؟ -  وهو من يسير الفساد، وهي  الأفظع ،وتارة يتمثل في قيادات عليا ومسؤولين وزاريين، وتارة في قادة المؤسسات العسكرية والأمنية.))
الكاتب المحترم /محمد محمود ولد بكار/  أطنب ما شاء الله  في شيه للفساد السياسي على "السفود"، وتقليبه على ظواهره، وبواطنه دون  أن يعرض لعوامل  نشأته في بيئاته السياسية منذ قيام النظام السياسي الحديث في مجتمعنا، وخلال تقلبات النظام الإداري، و السياسي، والاقتصادي، والترسيم في الوظيفة العمومية، وتوزيع التوزير على " اكباش" القبائل،  ومن هنا كانت تلك الوزارات  منافذ فائحة النتانة  في انتشار موبيقات الفساد السبع  في الأداء السياسي الحزبي على العهد  المدني الأول، وسيادة الحزب الشمولي  الأوحد" حزب الشعب" في الستينات، إلى سيطرة العسكر في الثمانينات والتسعينات، و هلم جرا،
ومنذئذ  مادت الأضية السياسية بالمبيدات التي اعتاش عليها الفعل السياسي الارتجالي الذي فرض تبيئة النظام  السياسي على معطاه المقتبس من  تنظيم "اللجان الثورية"، أو قل نسخته في "هياكل تهذيب الجماهير" القمعية، إلى  التحور العسكري المفروض فرنسيا على النظام المدني في ظاهره الخارجي، وقيادة "الحزب الجمهوري"، وتسييره من طرف  الكادحين على عهدي معاوية، وتجربة العشرية الرمادية لمحمد عبد العزيز إلى  حزب الإيثار الباذخ " الانصاف" ..
ولهذا فالمقال على الرغم من سخائه في التعريض بمظاهر الفساد، إلا أنه تعامل مع الاخير دون تتبع نشاة الأخير، وتطوره، واستفحاله في بعض المحطات، او الوقفات التي تستحق كل منها " هزة عنيفة" خلافا لما قال الكاتب في تبرير أن الفساد يمكن معالجته دون "الكي"، بمعنى التغيير الاجتماعي…

وفي هذا التغييب، مقاصد لعدم فهم الظواهر بالنظر إلى  استبعاد المرجعيات  للوعي الوطني، والقومي اللذين  يساعدان على تتبع الظاهرة التي قصر عنها قلم الكاتب في مقاله الشيق، مثل  كتاباته القيمة التي تستحق الإشادة ..
ومن إيجابياته المحسوبة له في هذا المقال، هذه الشجاعة  في طرق موضوع، كان من مواضيع الأحزاب المعارضة، وما يتفرع عنها من الكتاب المعارضين بدرجات متفاوتة، لا المناصرين للنظام من الكتاب ( الوطنيين بدرجة مطلقة.)
 وإذا كان الوقوف عند الايجابيات، وترك المآخذ، سيجعل تعليقي موضع اتهام نظرا  لمكانة الكاتب عندي، ومعرفتي الجزئية به  في الزمن الجميل، حيث كان من رواد  " الجماهيرية العظمى" في مناسبات ثورة الفاتح من سبتمبر المجيدة بالنظر لما بعدها، وما قبلها في ليبيا على وجه التحديد،،
لذلك ، أرى أن  القراء سيأخذون على الكاتب - وليس  على مقاله، لكونه مستوفي الشروط، وزيادة - 
هذا التركيز على الحلول الجزئية، والبحث عن الحلول المهدئة ،، وتشبيه الكارثة الوطنية جراء الفساد، بالرجوع للبحث عن آلية لتحريك سفينة السياسة 
التي  وقفت في العقبة نظرا لتراكم  سياسة التبعية، وسياسة الاستدانة، وسياسة المحسوبية، وسياسة النظام الطائفي، وسياسية النهب، وسياسة توزيع المشاريع على ذوي القربى، وسياسة الاستناد إلى " حاخامات" الابراهامية الخيانية،،،
ولا ينفع استخراج سيارة  السياسة من العقبة، تجديدا  للمكينة الصدئة، ولا استبدال الزيت، ولا حتى محرك عضوي، أحرى آلي..

  ويبقى المقال يستحق القراءة، والتركيز الموزع بين مطالب النظام للمشاركة في إثارة الموضوع، وتمييعه، وبين تأثر الكاتب  بخلفيته المنسية، لكنها فرضت نفسها فيما كتب، كاستبعاده لمفهوم" الهزة العنيفة"، قد يقرأه البعض على ظاهر القول، وقد يفهمه آخرون  على أساس الإيحاء بالتغيير الاجتماعي الثوري، ووعي الكاتب  السابق على عصر تبني الفساد …  في عصر الجماهير، ورسل الحضارة…
وقد تواضع بعض كتابنا على استبدال المفاهيم التى لها حمولات " التغيير الاجتماعي"، والكاتب مثل آخر من كتابنا المرموقين، ولكونه في إمارة قطر، لذلك حور بذكائه  مفهوم  " الصراع الطبقي"،  بمفهوم " التدافع"، كاستبدال محمد محمود  بكار مفهوم "الثورة"، بمفهوم " الهزة العنيفة" غير المطلوبة… 
فالهزة العنيفة الصارعة لأنظمة الفساد  مطلوبة، وأكثر من مطلوبة..ومادام المقال أشار اليها، فهذا يكفي القارئ من هذا التوجيه الخفي، و"التقية " للمحافظة على مصالح الفرد في مجتمع في طور من الوعي الموصوف ب "التململ"،، وهي مرحلة سالبة، لكنها تعبر عن تطور في الوعي، وعدم تجاوز المسكوت  القاتل  لمجتمع بكامله، لأن الفساد يكاد  يخرجه إلى  المقابر….