شاتاتدو.. 120 عامًا من الصمود في وجه الزمن
منارةٌ كانت تستقبل القادمين إلى كيفه وتودّع المغادرين.. فهل ما زالت المدينة تتذكر حكايتها؟
(الساطع الإخباري ) هناك أماكن لا تحتاج إلى أن تتكلم حتى تروي تاريخها؛ يكفي أن تقف صامدة أمام الزمن، حتى تتحول إلى صفحات مفتوحة من ذاكرة المدن.
وفي كيفه القديمة، تقف «شاتاتدو» شاهدة على أكثر من قرن من التحولات، حاملةً في صمتها ذكريات أجيال كاملة. فمنذ ما يزيد على 120 عامًا، ظلت هذه المنارة قائمة، تقاوم عاتيات الزمان، وتحتفظ بمكانها في ذاكرة سكان المدينة الأوائل.
لم تكن «شاتاتدو» مجرد معلمة عمرانية؛ فقد كانت عنوانًا من عناوين كيفه، وأحد أبرز ملامحها التي يعرفها القادمون والمغادرون.
كانت أول ما تقع عليه عين الزائر عند دخوله المدينة، وآخر ما يظل في عينيه وهو يغادرها.
ولذلك، فإن الحديث عنها ليس حديثًا عن بناء قديم فحسب، وإنما هو حديث عن مدينة تغيّرت ملامحها، وبقيت بعض شواهدها تقاوم النسيان.
إنها في صمودها تشبه معالم أخرى ظلت راسخة في ذاكرة أهلها، مثل:( أكرراي بتكانت، وأم أكريه بلعيون، ونخلتي لورين بلكوارب، وقلب الكركار بتنمدغه، وقلب أنكادي بالنعمة)
وكأن هذه المعالم جميعًا تقول شيئًا واحدًا: قد يتغير المكان، وقد يرحل أهله، لكن الذاكرة لا ترحل بسهولة.
وقد يستحضر أهل الذاكرة قول الشاعر:
أيا نخلتي لورين إني على العهدي
وإن كنتما مني على الهد في زهدي
فمبلغ جهدي أن سلام عليكما
وليس يلام المرء في مبلغ الجهدي
الكثير من الوافدين إلى مدينة كيفه اليوم يمرون بالقرب من «شاتاتدو»، وربما يتساءلون عن سر وجودها، دون أن يعرفوا شيئًا عن تاريخها أو عن مكانتها في وجدان أبناء المدينة.
تتربع المنارة على أرضية شرق أهل خنطار وشمال أهل تاجدين، وكأنها لا تزال في حوار صامت مع أختها القريبة منها جهة الشرق، «طلحايت لكياطين».
جارتان جمعهما المكان، ثم فرّق بينهما الزمن مع أحبتهم ، وكأنهما تستعيدان أبيات امرئ القيس:
أيا جارتنا إن الخطوب تنوب
وإني مقيم ما أقام عسيب
أيا جارتنا إنا غريبان هاهنا
وكل غريب للغريب نسيب
وها هما اليوم غريبتان عن المشهد الذي عرفتهما فيه أجيال مضت.
فالعصافير التي كانت تألف «شاتاتدو»، وتصعد إليها قادمة من وكنانتها بمدرسة «كوميز»، شاخت وهجرت المكان، وكيطانة «الطلحايه» أصبحت بدورها من أخبار الماضي.
أما الطلحاية، فقد عاد حالها إلى حال «أتيكفايه»؛ بقيت واقفة، لكن ما حولها تغير، وتبدلت الوجوه، ورحلت الجماعة، ولم يبقَ للعين منها إلا ما يردّ بعض أخبار الماضي.
فصدق فيها قول الشاعر:
شوفْ التِّـــــيكِفَّايَ صَحِيحْ* نَعْرَفْهَ بِاجْدِرْهَ والرِّيحْ
اعْــــــــلِيهَ تِتْكَرَّعْ واتْمِيح* گـــــفّتْهَ خَظْرَ والنُّوَّارْ
كَادِلْهَ مَامــــــــَتْهُومْ الطِّيحْ* والْخَلـــْقْ امَّاسِيهَ عِقَارْ
وَاژَوانْ امْكــــــــَيَّمْ لِبْرِيحْ *افْظَلْ اظْحـَاهَ كُلْ انْهَارْ
وامْنِينْ إمِيلْ الـــــظَّلْ إبِيحْ* بَيــْڮ يُفَاوِتْ بِالتِّصْبَارْ
واتْلاَوِيحْ الخَيْــــلْ اتْلاَوِيحْ *غَيْرْ الرَّحَّالَ مَاهْ اعْمَارْ
مِنْ تَصرِيفْ الْحَيْ الرَّؤوفْ* شّــــوفْ التِّيكِفَّايَ قِفَارْ
اژرَبــــــــْهَ كِبْلِتْهَ مَنْـسُوفْ *واجْدِرْهَ عَـادْ افْبَلُّ غَارْ
واجماعتها ماتات اتشوف *عينك منه رداد أخبار.

حين يصبح الحجر ذاكرة
ربما لا يعرف كثيرون أن بعض ما نمر به يوميًا هو في الحقيقة جزء من تاريخنا.
فالمدن لا تحفظ ذاكرتها في الكتب وحدها؛ أحيانًا تحفظها في منارة، أو نخلة، أو بئر، أو حجر، أو شجرة عتيقة بقيت في مكانها بينما رحل الذين عرفوا قصتها.
وهنا تكمن قيمة «شاتاتدو» واختها <<الطلحايه>>
إنهما ليستا مجرد أثر قديم ، بل شاهد حي على كيفه ، وعلى طرقها القديمة، وعلى القادمين إليها والمغادرين منها، وعلى زمن كانت فيه لهذه المعالم هيبتها ومكانتها.
وإذا كانت «شاتاتدو» قد استطاعت أن تصمد أكثر من قرن أمام الرياح والأمطار وتقلبات الزمن، فإن التحدي الأكبر اليوم هو أن نحفظ قصتها من النسيان.
فالحجر قد يبقى مئات السنين، لكن ذاكرة الناس قد تضيع في جيل واحد إن لم تُروَ.
ولعل هذه السطور ليست سوى محاولة صغيرة لإعادة فتح نافذة على على المعالم القديمة بمدينة كيفه ، قبل أن نشفعها بمواضيع مشاهبه من هذه المدينة الحبيبة
يسلم ولد بيان
لبرنامج وكالة الساطع الإخباري
زاوية في الخفاء