أسرار منزل "تيارت" القديم: أين رمت أمواج الغربة بأطفال المبشر ليستيفان (Lestifane)؟
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله..
وفاء لمقاطعتي الفتية، مقاطعتي الحبيبة التي ولدت وترعرعت في أحضانها بمدينة نواكشوط الشمالية، أعود بذاكرتي اليوم إلى الوراء، لأنبش في دفاتر الطفولة المسكوت عنها.. عن قصة فريدة من نوعها، تختلط فيها براءة الصغار بقسوة الظروف، وبوجع فراق غامض لم تمحه السنون!
في طفولتي الغضة، كنت أذهب مع بعض الأصدقاء إلى منزل رجل مسيحي مبشر كان يدعى "ليستيفان" (Lestifane)، وكان يقيم في مقاطعة تيارت، وتحديدا بالقرب مما يعرف اليوم بـ "سوق سيدي". كان ذلك الرجل يتخذ من منزله مركزا لإيواء أطفال الطبقات الهشة والفقيرة آنذاك، أو من كنا نسميهم ببساطة وعفوية المجتمع وقتها "بعض أبناء الكبة الفقراء". ولا يمكنني أن أنكر، بكثير من الصدق، أنني كنت أحب هذا المبشر "ليستيفان" لأخلاقه وبشاشته الظاهرة التي كانت تأسر قلوبنا الصغيرة؛ فقد كان يرتدي قناع العطف والكرم، وكان أطفال الحي يأتونه ليقدم لهم دروس تقوية في اللغة الفرنسية، بينما يتدفق أطفال الكبة جميعا نحو منزله لحضور وجبة العشاء التي كانت تقدم بانتظام عند الساعة الثامنة مساء. كان يغريهم بتلك الوجبات، وبالألبان والعصائر الفاخرة التي كانت تأتيه شحناتها خصيصا من فرنسا كطعم ذكي وراءه ما وراءه! ورغم أنه كان يحمل رسالة تبشيرية ويمهد لتوجيه الأطفال نحو ديانته، إلا أنني في تلك المرحلة العمرية لم أكن أملك دراية حقيقية بأبعاد خطته الخطيرة، فكل ما كان يعنيني ويعني أقراني هو تلك الحلوى وذلك اللبن الجميل! حتى إن بعضا من كلماته التي كان يرددها على مسامعنا ما زالت محفورة في ذاكرتي بحروف من ذهب، ومنها: **L'amour engendre l'amour.** وكذلك **Aimer, c'est savoir dire : je t'aime sans parler.** ومقولته **Là où il y a de l'amour, il y a de la vie.**
ولم تكن وجبات العشاء أو الألبان والعصائر الفرنسية أو تلك الكلمات المؤثرة وحدها وسيلته للاستدراج، بل كانت هناك أصوات وألحان رددناها معه ببراءة صبيانية مطلقة دون أن ندرك خطورة أبعادها، لكنها حفرت في الذاكرة بنغماتها حتى اليوم. كنا نقف طوابير، نردد وراءه بأصواتنا الغضة تلك الأغاني والترانيم التي ما زال صداها المرعب يتردد في أذني: **Ubi Caritas**، و**Aimez-vous les uns les autres**، و**Comme un souffle fragile**، و**Peuple de lumière**، ونشيد **L'amour de Dieu est grand**. كانت تلك الكلمات تتسلل إلى قلوبنا الصغيرة كأطفال يبحثون عن الفرح والدفء، في وقت لم نكن نملك فيه سوى براءتنا وفقرنا المدقع.
وهنا أكشف لكم سرا خطيرا عشته بنفسي أثناء زياراتي له؛ فقد كان "ليستيفان" يتعامل بازدواجية خبيثة ومبطنة! ففي الوقت الذي كان يمنع فيه الأطفال المقيمين معه بصفة دائمة في المنزل من أداء الصلاة نهائيا، كان يسمح للأطفال الزوار (مثلي ومثل من يزورونه مساء فقط) بأن يصلوا! لقد كان يكرهني في قرارة نفسه، ويعرف تماما أنني أنتمي لأسرة محافظة واعية، لذا كان يحذر مني ومن تأثيري على خطته. ورغم مشاعر الإعجاب الطفولية التي كنت أكنها له، إلا أنني كنت أشعر بتململه وضيق صدره الخفي تجاهي. وأتذكر جيدا كيف كنت أقرأ في سري مستنكرا سلوكه وتحديه لشرعنا آيات سورة العلق: **{أرأيت الذي ينهى * عبدا إذا صلى * أرأيت إن كان على الهدى * أو أمر بالتقوى * ألم يعلم بأن الله يرى}**. لقد كان يمنع الصلاة عن الضعفاء الذين استقوى عليهم بحاجتهم!
وشاءت الظروف بعد ذلك أن أغادر نواكشوط لأقضي فترة من طفولتي في قرية "معطى مولانا"، وطوال فترة غيابي، كان صديق طفولتي الحميم "محمد ولد السالكة" يأتي إلى منزلنا دوما وبشكل متكرر يسأل عني بلهفة الأصدقاء. وعندما عدت أخيرا والتقيت به، لم يملك نفسه؛ عانقني بشدة وذرف الدموع من شدة الفرح؛ ثم أخذ بيدي وذهبنا معا إلى أطفال "ليستيفان" الذين طاروا فرحا بقدومي والتقائنا من جديد. كم كنا أبرياء ونقيا تفكيرنا! وأتذكر جيدا يوما جئت فيه من رحلة "الكيطنة" في آدرار، وحملت معي تمورها الزكية، ووزعتها عليهم جميعا، فكانت الفرحة تملأ وجوههم الصغيرة.. ذكريات بحق لا تنسى!
لكن المخطط الأكبر والأخطر لم يتوقف عند حدود تلك الأيام المبهجة.. فقد كانت لدى "ليستيفان" خطة كبرى، وهي ترحيل أولئك الأطفال والشباب إلى فرنسا بحجة رعايتهم وتدريسهم هناك! وفعلا، وسط ذهول الجميع، استطاع أن يأخذ معه قطاعا واسعا من أطفال الحي ومنهم صديقي الغالي. تلك الأيام العصيبة التي سبقت سفره لا تغيب عن بالي أبدا؛ كنت أحاول معه بكل ما أوتيت من إلحاح الأصدقاء ألا يذهب، وأن يبقى هنا معي.. لكنه كان ينظر إلي وبعينيه حزن عميق وكسرة نفس، يحدثني عن معاناة الفقر، وقسوة الحاجة، ورغبته في الهروب نحو مستقبل أفضل خلف البحار.. رحل محمد ولد السالكة.. وأخذ معه جزءا من روحي!
إن ذلك الرحيل المفاجئ بلا عودة هو الذي خلف في ذاكرتي، ومنذ تلك الصدمة المبكرة، كرها دفينا للغربة في الغرب عموما؛ لأن رحلة اللاعودة تلك كانت تشبه الموت تماما، مع فارق بسيط جدا؛ الموت الذي يغيب الأجساد ويترك الوجع معلقا في المنتصف بين البقاء والفناء.
ومرت السنوات وغادر "ليستيفان" عالمنا ومعه اصدقاء الطفولة من أبناء هذا الوطن الغالي، لتطوى معه صفحة من تاريخ ذلك المنزل الصاخب بالغموض. لكن الأسئلة الحارقة لم تُطو في قلبي؛ ما زالت طيوف "محمد ولد السالكة" تطاردني، وما زال الشوق لمعرفة مصيره ومصائر بقية الأصدقاء يزلزلني! وفي زمن وسائل التواصل الاجتماعي هذا، حيث تقاربت المسافات وانكشفت الحجب، أكتب هذه الكلمات وأطرح التساؤل الأكبر عله يجد إجابة تطفئ نار الحنين الممتد: أين هم أطفال "ليستيفان" اليوم؟! أين رمت بهم أمواج الغربة العاتية في أروقة فرنسا؟ بين شوارع باريس المزدحمة وأزقة بوردو الباردة؟ أكتب وأنا أحمل أمنية غالية في قلبي؛ أتمنى من أعماقي أن ألتقي بصديق طفولتي محمد، وأحمل في وجداني رجاء حارا ودعاء خفيا: أتمنى من كل قلبي ألا يكون قد اعتنق المسيحية، وأن يكون قد حافظ على دينه الإسلامي وهويته رغم عواصف الغربة ومحاولات محو الهوية!
أسأل عنهم كل قادم ومغادر، وأشارك هذه القصة هنا معكم ومع شباب تيارت الجميلة عل هذه الكلمات تهز الفضاء الأزرق وتصل إلى أحدهم، أو لعل عينا تقرأها وتعرف عن صديقي محمد ولد السالكة أو بقية الرفاق شيئا يوصلني بوجوه تقاسمت معها طعم الحلوى، والتمور، والدموع البريئة. تبقى "تيارت" وذكراهم جمرة محفورة في الفؤاد..
حفظ الله غائبهم وثبته على دينه، ورحم ميتهم.
دمتم
الشيخ التجاني باباه