شواذُّ الجموع ونموذج من جهود السلف في ضبط العربية

شواذُّ الجموع ونموذج من جهود السلف في ضبط العربية:  
صِيَغُ الجمعِ في العربيةِ من أَغنى المباحثِ البَيْنِيَّةِ التي تَقِفُ في مُفترَقِ الطُّرُقِ بين علومِ اللغةِ المختلفة: النحوِ، والصرفِ، والمعجمِ، والمعاني، بل والعَروض كذلك. وقد عُنِيَ به الأقدمونَ منذُ سيبويه، جيلاً فجيلاً، وحرَّروه غايةَ التحريرِ باستقراءِ كلامِ العربِ، فميَّزوا المُطَّرِدَ منه من غيرِ المُطَّرِدِ (السماعيِّ)، فقعَّدوا للأوَّلِ قواعدَهُ وضَبَطوهُ بالحَدِّ، وحَصَروا الثاني بالإحصاءِ والعدِّ. فكان من زِينةِ العالِمِ والأديب معرفةُ الشاذِّ من الأوزانِ، والغريبِ من الجموعِ، ومعرفةُ وجهِ شذوذِهِ، وما جرى فيه من الخلافِ.
وللمدرسةِ الموريتانيةِ باعٌ طويلٌ في هذا منذُ بواكيرِها، وقد مرَّ علينا في تدوينةٍ سابقةٍ عن ألفيَّةِ الضَّبطِ للحَنْشيِّ نماذجُ من عنايتِهِ بهذا الفن، ثم تأكَّد هذا الهَمُّ مع سيبويهِ بلادِنا وشيخِها الأَبرزِ المختارِ بنِ بُونَهْ رحمه الله، ثم تلاميذِه من بعدِه.
وفي هذا الإطارِ كان المرابط محمدُ السالم بن الشَّينِ في الحوظ شديد العنايةِ بجمعِ النظائرِ في هذا البابِ، وقد وَقَفتُ له رحمه الله على كثيرٍ من هذا، فمن أَهَمِّ جهودِهِ في البابِ نَظمُهُ في الجموعِ الذي أَكمَلَ فيه بابَ الجموعِ من الاحمرارِ، وقد ألَّفه بطلبٍ من تلميذه شيخِنا الشيخ المحفوظ بن بيه رحمه الله، وفيه يقول:
حَمداً لِمَن بالجَمعِ ليسَ يُوصَفُ * ولا لهُ جِنسٌ بِهِ يُعرَّفُ 
جَلَّ عنِ البَنينَ والبَناتِ * سُبحانَهُ وعن صُوَيْحِباتِ 
وبَعدُ فالصَّلاةُ والتَّسليمُ * والعِزُّ والتَّشريفُ والتَّكريمُ 
على النبيِّ الهاشميِّ أحمدِ * وآلِهِ والصَّحبِ أَنجُمِ الهُدى 
وبَعدُ فالأعمالُ مِن أَفضَلِها * نَشرُ علومِ الدِّينِ أَيْ أَجَلِّها 
لا سيَّما اللغةَ لمَّا أن غَدا * أَطلالُها يَدعو بها البُومُ الصَّدى 
وكلُّ مُهتَمٍّ بها أُضحوكَه * لكلِّ أَنوَكَ يُفاني نُوكَه 
طَلَبَ منِّي الشيخُ قاضي البَلَدِ * ذو هِمَّةٍ تَسمو لكلِّ مَقصِدِ 
بأن أَسُدَّ خَلَّةً في الجامعِ * مِن أَصلِهِ التَّسهيلِ ذي اليَنابعِ 
أَسقَطَها ابنُ بُونَهْ نَجمُ المَغرِبِ * وسيبويهِ دَهرِهِ المُهذَّبِ 
أَسقَطَها بَعدَ امتِلاءِ الوَطْبِ * وفَيضِ آذِي بَحرِهِ المُنصَبِّ 
أشارَ فيها الشيخُ لاسمِ الجَمعِ * وما لَهُ من زِنَةٍ وجَمعِ 
وجَمعِ جَمعٍ عندَ غيرِ عَمرِو * وما لَهُ عن غيرِهِ من حَظْرِ ... 
أكثرُ الاوزانِ الإمامُ أَغفَلا * إذْ رائمُ استِقصائِها لن يَفعَلا
وللمُرابط أنظامٌ تعليميةٌ أخرى كثيرةٌ في جمعِ النظائرِ، وعلى نهجِهِ سارَ شيخُنا رحمه الله، فقد وَقَفتُ في كنانيشِهِ على كثيرٍ من التقييداتِ في جمعِ الشواذِّ، ومن شواهدِهِ التعليميةِ التي عَثَرتُ عليها بخَطِّ تلميذِه المُرابط محمد بن المحفوظِ رحمهم الله:
فَواعِلٌ جَمعاً لفاعِلٍ إذا * كان لعاقلٍ قليلٌ، ولِذا 
وَرَدَ مِنهُ: هالكٌ، وناكسٌ * وغائبٌ، وشاهدٌ، فوارسُ 
فانظُرْهُ في الأُشمونِ بِاتِّضاحِ * وزادَ خَمساً صاحبُ المِصباحِ: 
نواكصُ، سَوابقٌ، خَوالفُ * نَواجعٌ، صَواحبٌ، مُوالِفُ 
وهكذا الفارطُ فيه وَرَدا * فانظُرْهُ في التاجِ ففيه قد بَدا 
ولم يُرَ جَمعَ فُعالٍ ما عَدا * دَواخِنُ، عَواثِنُ، إذ وَرَدا
تناولَ الشيخُ في هذه الأبياتِ ما نصَّ عليه العلماءُ من شواذِّ قاعدةِ "فَواعل"، فكما هو معلومٌ، "فَواعل" جَمعٌ قياسيٌّ لعددٍ من الأوزانِ، كـ"فَوْعَل" (جَوهرٍ – جواهرَ، وصَومعةٍ – صوامعَ)، و"فاعَل" (طابَعٍ – طوابعَ)، و"فاعِلاء" (كنافِقاءَ – نوافقَ)، و"فاعِل" (ككاهلٍ – كواهلَ، وحامِلٍ – حوامِلَ، وغيرِ العاقلِ كصاهلٍ – صواهلَ)، و"فاعِلة" (كفاطمةَ – فواطمَ، وكافرةٍ – كوافرَ).
وأمَّا "فاعِلٌ" الذي للمذكَّرِ العاقلِ، فلم يُجمَع منه على "فَواعل" إلا كلماتٌ معدوداتٌ من بابِ الشُّذوذِ، قال ابنُ مالكٍ:
فَواعِلٌ لِفَوعَلٍ وفاعَلِ * وفاعِلاءَ مع نحوِ كاهِلِ
وحائضٍ وصاهلٍ وفاعِلَهْ * وشذَّ في الفارسِ مع ما ماثَلَهْ
و"ما ماثَلَهُ" هي النظائرُ التي استَقصاها شيخُنا هنا من مصادرَ مختلفةٍ (الأُشموني – المصباح – التاج)، فأوصَلَها إلى إحدى عشرةَ كلمةً. 
وقد تَمَحَّلَ البصريُّونَ لِرَدِّ أكثرِ هذه الأمثلةِ إلى القاعدةِ بتوظيفِ بعضِ التوجيهاتِ، فقالوا إنَّ أقواها على الإطلاقِ "فارسٌ – فوارسُ"، ووجَّهوهُ بعدمِ اللَّبسِ، لأنه لم يُسمَع في كلامِ العربِ "فارسةٌ"، إذ كان ركوبُ الخيلِ مقصوراً على الرجالِ. كما وجَّهوا "خوالفَ" بتقديرِ دخولِ هاءِ المبالغةِ، كما في "فلانٌ راويةٌ"، ووجَّهوا "هَوالكَ" بكثرةِ الاستعمالِ في المَثَلِ "هَلَكَ في الهَوالكِ"، وأنشدوا لابنِ جِذْلِ الطِّعانِ:
فأيقَنتُ أنِّي ثائرُ ابنِ مُكَدَّمٍ * غَداتَئذٍ أو هالكٌ في الهَوالكِ
أو بتقديرِ الموصوفِ، ومنهم من وجَّهَ بعضَها بأنها من الضرائرِ الشعريةِ كـ"النواكسِ"، قال الفرزدقُ:
وإذا الرِّجالُ رَأَوا يَزيدَ رأيتَهم * خُضُعَ الرِّقابِ نواكسَ الأَذقانِ
وقد رفضَ المُرابطُ في شرحِهِ لديوانِ غَيلان، عند قولِهِ:
وُقوفاً على مَطموسةٍ قَطَعَت بها * نَوى الصَّيفِ أقرانَ الجميعِ الأوالفِ
رفضَ أن تكونَ "الأوالفُ" من هذا البابِ، وقال: إنما هو جمعُ "آلِفةٍ".
ومع كثرةِ هذه الأمثلةِ نسبيّاً، قد نتساءلُ حولَ وجاهةِ قرارِ مجمعِ اللغةِ العربيةِ بالقاهرةِ بأنه: "لا مانعَ من جمعِ (فاعل) المذكَّرِ العاقلِ على (فواعل)، وذلك لما وَرَدَ من أمثلتِهِ الكثيرةِ في فصيحِ الكلامِ". وعليه تَصِحُّ العبارةُ المشهورةُ في كلامِ المعاصرينَ: "جنودُنا البواسلُ".
وفي البيتِ الأخيرِ من أبياتِ شيخِنا رحمه الله:
ولم يُرَ جَمعَ فُعالٍ ما عَدا * دَواخِنُ، عَواثِنُ، إذ وَرَدا
أشارَ الشيخُ هنا إلى أنَّ "فواعلَ" لم تَرِدْ جمعاً لـ"فُعالٍ" إلا في كلمتينِ: "دواخنُ" جمعُ "دُخانٍ"، و"عواثنُ" جمعُ "عُثانٍ"، وهو الدخانُ وَزْناً ومعنىً. قال غَيلانُ مَيٍّ:
فَوَلَّينَ يَنشُبنَ العَجاجَ كأنَّهُ * عُثانُ إجامٍ لَجَّ فيها اشتِعالُها
يصفُ الأُتُنَ الوحشيةَ وقد هَرَبَت من الصَّيَّادِ، فرجَعنَ وهنَّ يُثِرنَ الغبارَ، وشبَّهَ الغبارَ بعُثانٍ، أي بدُخانِ احتراقِ الغابةِ.
* * *
هذا، ولعلَّ كثيراً من هذه الاضطراباتِ التي يَجِدُها الدارسُ في أبوابِ الشواذِّ - لا في الجموعِ فحسبُ، بل في الأبنيةِ والاشتقاقِ والتراكيبِ جميعاً - إنما يَنشأُ في جزء منه عن إهمال المُقعِّدينَ لحقيقتينِ كبيرتينِ:
أُولاهما: أنَّ اللغةَ كائنٌ حيٌّ يَتطوَّرُ في الزمنِ، يَنبضُ ويَنمو ويَتبدَّلُ، وأنَّ ما صَنَعَهُ علماءُ عصرِ التدوينِ - على جلالةِ قَدرِهم - هو في حقيقتِهِ تجميعُ طبقاتٍ من ممارسةٍ لغويةٍ متراكمةٍ، طَوَوْها في صورةٍ ستاتيكيَّةٍ واحدةٍ. فاجتَمَعَت في كتبِهم طبقاتٌ حَفرِيَّةٌ من أزمنةٍ متباعدةٍ، يَختلطُ فيها كلامُ الجاهليِّينَ الأقدمين من قرابة قرنين قبل الهجرة،  بكلامِ المخضرَمينَ والإسلاميِّينَ، ثم يُحاكَمُ كلُّ ذلك بقواعدَ قياسيةٍ واحدةٍ. ولا عَجَبَ أن يَنتُجَ عن هذا الخلط كثير من الحالات البعيدة عن القاعدة. 
ثانيتُهما: أنَّ اللغةَ حقيقةٌ اجتماعيةٌ تَتطوَّرُ بالاستعمالِ وباللَّحنِ. واللَّحنُ ليس فقط خطأً يخل بالبيان، ، بل هو آليةٌ تاريخيةٌ فاعلةٌ في تطوُّرِ اللغاتِ جميعاً، تَلج من بابِ الاستعمالِ فتُصبحُ بعدَ جيلٍ أو جيلينِ قاعدةً جديدةً. ولم تتطور اللغات إلا بترخص كل جيل في اللحن في لفظ أو قاعدة، إما بحثا عن الأسهل وإما لأسباب غريبة كأن يكون من أطلق ذلك اللحن معظما في قومه، فيستحسن الناس تقليده أو غير ذلك من الأسباب الغريبة التي بها تتطور اللغة. 
ولعل كل هذا إنما أجاءهم إليه غلبة البعد المعياري الموجّه لنشاطهم، الكشف عن لغة معيارية تتيح الفهم عن الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم.

المحجوب ولد بيه