قول على قول
عرفت معالي الوزير، الأستاذ سيد أحمد ولد الدي منذ منتصف السبعپنيات معرفة المتابع المتحمس، فعاش في وجداني بصورة تسمو لحد التقدير والإعجاب، وظلت علاقتي به فوبقية عن بعد، حتي أكتوبر من سنة 1980, حيت أتيحت لي فرصة اللقاء، فكان يدرسني النحو والصرف، في السنة الأولى من مدرسة تكوين الأساتذة، شعبة الآداب العصرية، وباعدت بيننا الأقدار ولكن كنت أراه من حيث لا يراني، فشكلت صورة اللقاء عن بعد، واللقاء عن قرب فكرة موجزة عن الرجل: فهو من أولئك الأوفياء لهذا الوطن، الذين تميزوا بالكفاءة والنزاهة، بقدر الابتعاد عن بلاط ومرافقين، يعيشون على خلفيته الوطنية والزج بها أو بسمعتها فيما آثر الابتعاد عنه، وأنه من أولئك الذين لا يتهافتون على الموائد، ولا يتكأكؤون على القصعة، ولا يتسارعون إلى المناصب العامة أو الشاغرة، ولا يهرعون إلى المقاعد الأمامية، حبا في الظهور والتلميع، فعاش حياته في أصالة وعصامية، مكتفيا في الجانب السياسي بالاستماتة في مناصرة ودعم الرئيس أحمد ولد داداه، استطرادا لأسلافه في شنقيط، الذين آووا ورشحوا المرحوم المختار ولد داداه، يوم كانت أبواب الترشح موصودة أمامه في ولاية أترارزة قاطبة، وظل على ذلك الحال، نحترمه ونفدره، مهما اختلفنا معه سياسيا أو اتفقنا معه، ومهما أنكرنا عليه بعض النواقف أو الرؤى التي نربأ به عنها تقديرا لمكانته الروحية والمعنوية فينا، وإن كان أغلبها من تأثير البئة الاجتماعية والمحيط الثقافي الذي يتحرك في ربوعه.
لا نعتبره مؤرخا ولا باحثا في هذا المجال، فلا يؤخذ حديثه مأخذ الجد والعناية، إلا في مستوى الثقافة السائدة في عند العموم، والقائمة على المرويات الشفهية أوالشفوية، على عادة ثقافة المجتمع، وكل ربع من ربوع الوطن، يضيف لهذه المرويات ما شاء من العلاوات الإعلامية، التي تخدم أغراضه وتوجهاته، في فترة شحت فيها الوسائط الإعلامية إن لم تنعدم، فغدت كل المرويات مغلقة على محيطها.
سمعت ما تفضل به معالي الوزير، الأستاذ سيد أحمد ولد الدي، ولم استقبله كما استقبله البعض بالاشمئزاز والتطير، فهو لا يخلو من حقيقة في بعض جوانبه بقدر كبير من الوعي والموضوعية، إذا وضعنا في الاعتبار، أن تلك المرحلة من تاريخنا المعاصر، مرحلة مبهمة وغير مدونة، في بئة ملتهبة، لا تخضع لمؤسسة قيادية موحدة، حيث يسود قانون العشائر المتصارعة على النفوذ والاستحواذ، أو على الأقل، لرفض هيمنة الآخر وبسط نفوذه.
لست بحاجة لاجترار تعاريف ومصطلحات، لم توضع بعناية، وإن وضعت، فقد تآكلت بفعل الاستعمال والتوظيف، مثل "الطلبه" و"الزوايه" و"حسان" و"اتهنتيت" وحتى "استعريب" و"استطليب" و"اتمغفير" و"استشريف", فكلها وردت واتخذت مفاهيم متغيرة ومتنقلة، تارة حسب المزاج، وطورا حسب الضرورة، فكان لا بد أن تكون محل خلاف، ويتعاظم الخلاف أكثر إذا تناهت إلى التأصيل والترجيح.
غير أني أشك - شكا يرقى لمرتبة اليقين - في نسبة المقطع المتداول إلى الأستاذ سيد أحمد ولد الدي لسببين: أولهما سطحيتها البعيدة من الحداثة والنظرة النقدية التي آثرنا في أستاذنا ( وإن كان ليس من أهل ولا أنصار الحداثة), وثانيهما، اختلاف النغمة الصوتية التي أعرف، إلا أن يكون عامل العمر لعب لعبته بنطقه هو، وبسمعي الذي ما عاد كما كان.
ثم إن الحديث عن مثل هذه المعارف، لا يقدم ولا يؤخر، وليس مما هو جدير به أن يتحدث فيه لسمو مقامه عنه عندنا، ولكونه ليس فنيا في المجال، وليس ممن فرضت عليه ظروف الصراع العشائري أن يحتمي لثقافة بائدة.
أحمدو الشاش